ماركس 200: إعادة الاعتبار للكتابة في «السيرة»
وسام سعادة
لعلّ أهمّ ما جلبته المئوية الثانية لولادة كارل ماركس معها هو إعادة الإعتبار لـ«السيرة». فكما يقول المؤرخ السويدي سفين إريك ليدمان مؤلّف «عالم للظفر به. حياة وأعمال كارل ماركس» التي صدرت مؤخراً ترجمته الإنكليزية بعد ثلاث سنوات على صدوره في لغته الأصلية، فإنّ سيرة متعدّدة الأوجه لحياة وأعمال ماركس لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة، ويضيف «أنه فقط بعد ربع قرن على سقوط جدار برلين وزوال الاتحاد السوفياتي صار من الممكن تقديم صورة عن ماركس تنأى بنفسها عن غشاوة اختلاطها بالحاصل بعد وفاته».
وإذا كان ليدمان يقدّر جوانب أساسية مما أنجزه المؤرخ البريطاني غارث ستيدمان جونز في سيرته عن «كارل ماركس. العظمة والوهم» الصادرة أيضاً قبل ثلاث سنوات، وخصوصاً لجهة علاقة ماركس بمختلف تلاوين الحركة العمالية الناشئة في زمانه، فهو يلفت في الوقت عينه إلى حدود شغل الأخير. بخلاف ستيدمان جونز، يعتبر ليدمان أن سيرة توفي ماركس حقه تستوجب الربط بين مسيرة حياته وبين مختلف جوانب نتاجه عبر مراحل هذه الحياة، وهو نتاج بقي أغلبه غير منشور إلى ما بعد وفاة الرجل، كما أنّ ليدمان يأخذ إلى حد معين بتحقيب البريطاني ثيودور شانين لماركس. فبدلاً من التحقيب الثنائي بين ماركس الشاب، المنطلق من أرضية فلسفية، هي أرضية المثالية الألمانية والهيغليين الشباب، ثم التجاوز التحقيقي للفلسفة، ووصولاً إلى صياغة البيان الشيوعي عام 1848 وبين ماركس الكهل الذي يسخّر أكثر وقته لنقد الاقتصاد السياسي وبناء النموذج النظري لحركة التراكم الرأسمالي وأزماتها، وهو ما سيبلغ حقبة الذروة مع صدور المجلّد الأوّل من كتاب رأس المال عام، 1867، فقد أضاف شانين مرحلة ثالثة، هي مرحلة «ماركس المتأخر» (العشرية الآخرة السابقة على وفاته عام 1883)، وفيها يتفلّت ماركس شيئاً فشيئاً عن انتظاراته «الغرباوية» لإنهيار الرأسمالية بإتجاه إعطاء أهمية متزايدة لمآل الأوضاع في روسيا، بخلاف النزعة «العدائية لروسيا» التي طبعت مقالاته الصحافية خصوصاً في مراحل سابقة من عمره.
وإذا كان ليدمان لا يأخذ كلياً بمقاربة ثيودور شانين هذه (المستوحاة أساساً من الياباني هاروكي وادا وشغله حول ماركس وروسيا)، فإنّه يولي النتاج الفكري لماركس عنايته حتى آخر رمق من حياة الرجل. ورغم رفض هذا المؤرخ السويدي لاختزال فكر ماركس في الماركسية من بعده، وخصوصاً في الأنظمة الشيوعية بالقرن العشرين، إلا أنّ هذا لا يمنعه في المقابل من «تعقيد المسائل» على أهل التبسيط، معتبراً أنّ «كل شيء تحقق في الاتحاد السوفياتي والصين تراءى بادىء ذي بدء في مخيلة ماركس»، مع كون حياة ماركس لم تتحول فعلاً إلى شيء يمكن إعادة تركيب سيرته الداخلية إلا بعد تحرّر ماركس من هذا الإرث الإمبراطوري المنسّب له.
تحتاج سيرة ماركس كما كتبها كل من غارث ستيدمان جونز وسفن ـ اريك ليدمان إلى مقابلة مسهبة بينها، لا يمكن تشويهها، اختزالاً، في هكذا عجالة. فالغرض يقتصر هنا على لفت الانتباه إلى كون مسألة «سيرة» ماركس لم تعد حاشية على فكره.
يمكن أن نضيف عليها سيرة جوناثان سبربر عن ماركس الصادرة قبل خمس سنوات، التي كان لها إسهامها أيضاً، على خط إعادة منح هذا الرجل وجوده البشري في الحقبة التي انوجد فيها، والسياقات الألمانية والفرنسية والإنكليزية لتطوّر معاشه وأفكاره وهواجسه وتناقضاته على حدّ سواء. يبقى أن كتاب السويدي ليدمان هو الأكثر تعميقاً للعلاقة بين حياة ماركس وعمله الفكري، ناهيك عن أن كتابه يشكل رصداً ثميناً لحركة نهم كارل ماركس المعرفية، وخصوصاً نهمه للعلوم الطبيعية، وعلى هذا يبني لاحقاً ليدمان ليقدم نظرة إلى كتاب رأس المال على أنه ظلّ محكوماً بتوتر داخلي بين أثر الفلسفة الألمانية، وخصوصاً منطق هيغل عليه، وبين أثر الكيمياء والفيزياء في مستواهما بالقرن التاسع عشر.
لا يعني هذا أن معظم ما صدر عشية المئوية الثانية لولادة كارل ماركس من كتب ودراسات تناولت فكره وأثره يمكن اهماله لصالح السير المسهبة المكتوبة حديثاً. لكن هذه السير هي العلامة الفارقة للمئوية الثانية، وقد استبقتها بسنوات قليلة، لتتأمن من ثم حركة ترجمة بين اللغات الأوروبية لهذه السير، من دون حافز تعريبي عربي لها على ما يبدو.
وعلاوة على السير المكتوبة حديثاً، شأن جونز وليدمان وسبربر، فقد شكلت المئوية الثانية مناسبة لإعادة استصدار سير قديمة. في النطاق الفرنسي مثلاً، يمكن اعتبار صدور ترجمة «حياة كارل ماركس» (المخضمة بحواشيها) للقيادي الإشتراكي الديمقراطي (ثم الشيوعي) الألماني فرانتز مهرينغ 1846 ـ 1919، بمثابة «حدث». فعلى الرغم من تقادم هذه السيرة، التي كتبت فيما عدد من نصوص ماركس الأساسية لم يكن نشر بعد (شأن المخطوطات الاقتصادية الفلسفية والأيديولوجيا الألمانية)، فإن قرب مهرينغ من مؤسسي الاشتراكية العلمية، وبالتحديد من فردرك انجلز، يعطي لعمله زخماً، وللرجوع اليه منفعة أساسية. مثلاً، تكشف لنا قراءة كتاب مهرينغ ان ماركس وانجلز أظهرا تعاطفهما مع بيسمارك والبروسيين غداة الحرب الفرنسية ـ البروسية عام 1870، لشدة كراهيتهما لنابليون الثالث، ولم يتبدّل موقفهما الا بعد قيام كومونة باريس. يتضح في كتاب مهرينغ أهمية المشاعر الألمانية لماركس وانجلز، وقوة تأثير فكرة الوحدة الألمانية عليهما، كما تتضح قدرتهما على الانتقال من لحظة إلى التالية بحكم تبدل المعطيات والمعلومات وأسلوب التفكير.
هذا الأثر المهم، «حياة كارل ماركس» لمهرينغ كان قد انكب على ترجمته التروتسكي الفرنسي جيرار بلوخ قبل عقود ولم يكملها، وقد جرى استكمال صنيعه، والإبقاء على هوامشه وحواشيه الكثيرة، وقسم كبير منها بات ينتمي بالفعل إلى عصر سابق، عصر كان لا تزال تسري النظرة اليه على انه عصر «انتقالي من الرأسمالية إلى الإشتراكية».
بالتوازي، تبرز أهمية لاعادة اصدار كتاب الماركسولوغ الفرنسي مكسيميليان روبيل «كارل ماركس.
محاولة في السيرة الفكرية»، الموضوع كأطروحة جامعية في خمسينيات القرن الماضي، بما تحمله من فكرة أساسية وهو أن الماركسية نظام أيديولوجي لم ينشأ إلا بعد وفاة ماركس، وفي ظل عدم توفر قسم أساسي من كتاباته، وبما تشدّد عليه من أنّ منظاراً أخلاقياً وليس فقط علموياً ظلّ أساسياً عند ماركس، في شبابه كما في كهولته. هذا مع أن روبيل من الذين عرفوا بتحميل فردريك انجلز وزر كل ما هو «علموي» و«وضعي» في الماركسية، وهي نزعة شاعت كثيراً في القرن الماضي، من لوكاتش إلى سارتر وسواهما.
وبازاء هكذا نزعة لا بأس من التوقف عند ما يقوله دنيز كولان في كتابه الصادر حديثا ايضا «مدخل إلى فكر ماركس»، حيث يشدد على ان قول انجلز بأنه لعب دوراً ثانوياً في بلورة فكر ماركس صحيح وخاطئ في وقت واحد. ذلك أن لانجلز فكره الخاص، ومراكز اهتمامه التي لم تكن دائماً محور انكباب ماركس. ثقافة انجلز كانت موسوعية وسمحت له بمقاربة ميادين كالتاريخ العسكري وتاريخ الألسن، ناهيك عن أعماله المهمة حول أوضاع الطبقة العاملة الانكليزية ومسألة السكن وتنظيم المدن. يدعو كولين إذا إلى اعطاء كل ذي حق حقه، انجلز كما ماركس، وان كان لا يقدّم مقاربة شاملة لهذا الثنائي «ماركس ـ انجلس»، الذي لا تزال تتوتر السير المكتوبة عن ماركس كلما حاولت تقديم مقاربة خاصة به، طالما أنّه لم يجر الانطلاق من استثنائية هذا «الاقتران» بين أبوي المادية التاريخية، مع الإقرار باختلافهما، وبخصوصية تجربة كل منهما.
٭ كاتب لبناني
