الفنان التشكيلي عادل الفورتية: الفن بالنسبة لي هو المقدرة على الانتقال بين حدود اللامعقول واللامحدود واللامنتمين
حاوره: سفيان قصيبات
يعيش الفنان أحيانا كثيرة في عزلة ما إذا لم يكن هناك تفاعل مع إبداعه من خلال التواصل الفني والنقدي، وتزيد هذه العزلة إذا كان المجتمع يعيش حالة تخبط جمعي على مستوى الوعي وتذوق الفن.
فالفن لغة عالمية ينقلها المبدع بطريقة تعبيرية مستوحاه من تعابيره الداخلية العميقة التي تكون ترجمة لمشهد معين أو موقف معين بصورة فنية، الفن فيه الموهبة والتطور الثقافي والفكري للشعوب.
داخل المكان المسكون بالأعمال الفنية المبدعة من انسان مبدع عشق فنه وترجم فلسفته الخاصة بالوجود فنيا، وضع لمسته في مصاف العالمية الفنان الليبي المحتفى به عالميا عادل جهان الفورتيه التقيناه داخل مرسمه وكان لنا معه هذا الحوار:
صورة الفنان الليبي عربيا كيف تراها.؟
لا تختلف صورة الفنان التشكيلي الليبي عن صورة إخوانه من الفنانين العرب أو الأجانب , فهو يمتهن ويحترف الفن , وغيره كذلك , واللغة البصرية تكاد تكون واحدة في العالم , فليس هناك حدود فاصلة بين الفنون جميعاً , فجميع المدارس الفنية تنهل من بعضها البعض , وهناك أمثلة كثير عن ذلك , مثال تأثر الفنان الكبير (بيكاسو) بالأسلوب الزخرفي والمحسوب على الثقافة العربية والإسلامية , وأيضاً الفنان ( هنري ماتيس ) – وعلى ذلك فالصورة إن كانت ظاهرية أو جوهرية لا يختلف فيها الفنان الليبي عن غيره من الفنانين الآخرين.
“إن لكل فنان أسلوب يمتاز به وأسلوب يمثله”، ما هي خاصيات أسلوب الفنان التشكيلي عادل الفورتية خاصة والليبي عامة؟
المقولة في حد ذاتها تحتاج الى بعض الترتيب و لا يملك أي فنان حقيقي أسلوب نمطي يمثله, الفنان كائن مجرب بامتياز واحتمالي أيضاً, الفن له القدرة على التجديد كل ثانية نحياها , وكذلك الفنان المتأصل لا يستطيع أن يحصر نفسه وذاته في أسلوب واحد , وكمثال على ذلك رأينا الكثير من الفنانين الكبار جوكسون بولوك / بول كلي / كاندينسكي / آندي وارهول / فاتح المدرس / بلكاهية ….. وغيرهم , لم يقعوا في دائرة التنميط، وإنما ظلت اللوحة التشكيلية بالنسبة لهم مشروع لم يكتمل أو بالأحرى مشروع يسعى للاكتمال , ولذلك لم أضع نصب عينيّ أبداً أن أحصر رؤيتي الفنية ضمن نسق واحد , وإنما كان الفن بالنسبة لي مقدرة على الانتقال بين حدود اللامعقول واللامحدود واللامنتمي , أما بالنسبة للحلول التي أضعها على اللوحة فأنا أرسم الأسلوب التجريدي وهو أسلوب شهد تحولات كثيرة بين عدة مدارس منها التجريدية التشخيصية والتجريدية التعبيرية … الخ , وكما ذكرت سابقاً لا زالتُ أضع الحلول اللانهائية للوحة حتى أتفهم مقدرة الفن على القفز دائماً من دائرة النمطية والتكرار.
لم تنصاع للواقعي مثل بقية الفنانين كرسم البورتريه مثلا..
طبعا يجب أن يكون هناك مراعاة للشارع أو المتلقي العادي فلسنا في أماكن شاهقة وأبراج عاجية بعيدا عن الناس فنحن نعيش معهم، ولهذا يوجد جمهور مثقف والسوق الفني رغم ضعفه لكن نبيع لوحات تجريدية وصلت اللوحة سعرها 1000 دينار، وبعضهم يمتلك ثقافة بسيطة عن الفن التجريدي لكن هي ميزة التجريد هو عبارة عن خلق تناغم بين الوان متضادة او الوان غير متكررة، فحالة هذه الالوان اعتمدوا عليها حتى علماء النفس في التفكير والتأمل، فالألوان لغة عالمية والانسان بغريزته عندما يدخل لمكان ألوانه مريحة ومتناسقة يشعر بالارتياح ويستمتع.
الصورة الذهنية المشكلة عن الفنان أنه فوضوي ومجنون ويعيش حالات خاصة… ماهي الحالة الخاصة بي بعادل الفنان؟
حالة الفن مختلفة عن أي حالة أخرى في مجال الإبداع فالرسم لا يتم إلا داخل المرسم تحتاج الى الانطواء لوحدك وذلك لإنجاز مشروع لوحات تستغرق اللوحة التجريدية وقتا يأتي الى ساعة الى خمس ساعت ولا تكتمل ف وقتها أي حالة عدم الرضا دائما موجودة والحالة تكون ارتجالية خاصة اللوحة التجريدية لا يوجد مركز في اللوحة والعين المبصرة التي تعودت على الفن التشكيلي تستطيع أن تخلق توازن.
عند عرض اللوحة أمام الجمهور هل طريقة تفسير مقاصدها لهم يكون بنفس الأسلوب الذي تعتمده لرسمها أم أنك تضع مفارقة بين هذا وذاك؟
بالنسبة للجمهور المتلقي للفن هناك نوعان كما يقول النقاد , الأول : هو المتلقي القادر على تحسس بعض الحقائق الفنية البديهية , وهو بالتالي متلقي يمتلك أدواته أو مفاتيحه في الولوج الى عمق اللوحة مثلاً, ولا يحتاج ذلك إلا إلى فتح نقاشات وحوارات عن العملية الفنية – اما المتلقي الثاني : فهو الذي يخاف منه الفنان أو لا يملك أية اجابة وافيه شافية لتساؤلاته , لأن تفهم (الفن) يحتاج إلى تدريب ومران ومطالعة مستمرة وقراءة متأنية ومعّمقة , وهو المتلقي الذي كان يتهرب من الفنان (بول كلي) في قوله ( أرجو أن لا أتقابل يوماً مع متلقي يُصّر كثيراً على متابعة كل التفاصيل في لوحاتي ).
“لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن”؟ يقول فكتور هيغو هل تؤمن بها هذه المقولة؟
وأيضاً ( إن الوضوح جريمة ) كما قيل …. نعم أؤمن بضرورة الفن كسياق عام في الوجود ضمن السياقات الأخرى المتعددة , وللعلم إن الكشوفات الفنية والثورات التي حصلت بدايات القرن العشرين هي التي ساعدت المجالات الأخرى من تعدي الظواهر التقليدية , كاختلاف زوايا الرؤية في التصوير الفوتوغرافي , وايضاً تحولات الألوان ومدى تأثيرها على النفس البشرية , وبالتالي كان الغموض أحد سمات الفن , لأنه يضع أمامنا تساؤلات كبيرة وعميقة , أحياناً لا نملك القدرة على تحديد إجابة محددة لها , فنظل مشدوهين في حالة تساؤل دائم أمام روعة ذلك الجمال الغامض …..
للوحة بالنسبة لك هل هي بناء عقلاني أم هي ميلاد روحي؟
في العلوم الفنية الحديثة لا نستطيع الفصل بدقة بين العقل والوجدان , أي لا يمكننا وضع خط فاصل بين هذا وذاك , وكذلك الحياة الشعورية هي سيلٌ متدفق من أعمال ( الذاكرة / الشعور / الفكر ) , حتى تكتمل الدائرة , والفن في ذلك , نصبح معه قادرين على تعيين وتشخيص حياتنا وفق مشاعرنا وأفكارنا – لا ألتزم كثيراً بالمنطق في بناء اللوحة فهي عندي تظل محاطة بالمجال السديمي والفضاء اللامتناهي , وكذلك تظل اللوحة عندي قابلة للإضافات وباستمرار , ولا يمكن أن يكون ذلك البناء هو فيوضات روحية مطلقة , بل يدخل أحيانا جانباً من العقل , إنها بالأحرى عمليات ترتيب متصلة ….. – اللوحة هي شعور متكامل تتمازج فيه كل التيارات الفكرية والشعورية , والأمزجة المتقلبة أحياناً , بالنسبة لي لا أضع فاصلاً متعمداً بين ما أرسمه وما أحياه، وكما قال ( غاستون باشلار ) “العالم موجود كما أحلم به”
خطوات لتحسين المشهد الثقافي ف ليبيا من وجهة نظرك؟
ببساطة ….
– دعم الفنانين والمثقفين عامة , وتوفير المناخ المناسب لكي تحيا الثقافة وتمارس عملها , الفعل الثقافي يحتاج الى هواء نظيف حتى يستمر في العطاء .
– دعم المنظمات والمؤسسات المدنية التي من شأنها أن تساند المثقفين , ولا نقول هنا بالدعم المادي فقط وإنما الدعم المعنوي لما له من أهمية تفوق أحياناً الدعم المادي.
– على الدولة في المستقبل أن تحدد رؤيتها هل هي مدنية أم … ؟
ومن خلال ذلك نستطيع تفهم الدور الذى ستلعبه الثقافة والمثقفين في حياة المجتمع ككل , فنحن أمام تحول كبير قادنا الى ثورة مسلحة استطعنا فيها الاطاحة برأس النظام , لكن للأسف لم نستطيع القضاء على الثقافة التي ظل يزرعها طيلة تلك المدة , وهنا يبرز (الفن) كحالة تنويرية لمعالجة جُلّ تلك القضايا ومحاولة أن يميز فيها بين السلبي والايجابي .
http://www.adelfortia.com
