إنما توجد في قعر البحار الفصوص
هناك من حباه الله بسرعة البديهة، فإذا ما رافقها ظرف وطرافة، فهي أوقع على النفس، وأقرب إلى القلب، وأدعى إلى الأنس والفكاهة، ومن هؤلاء أبو العلاء صاعد بن حسن الربعي، وهو غير أبي العلاء المعري صاحب سقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، ورسالة الغفران.
دخل أبو العلاء صاعد بلاد الأندلس قادماً من الشرق، من الموصل تحديدا، وذلك في سنة 380 هـ، أي في زمن الحاجب المنصور، الذي عرف أيضاً بالملك المنصور. كان المنصور محباً لأهل للعلم والأدب، مغدقاً عليهم عطاياه، كل حسب ما جاد به، وكان منهم أبو العلاء صاعد.
وحصل أن أبا العلاء دخل يوماً على المنصور في مجلس أنسه، وقد لبس تحت ثيابه قميصاً من رقاع الخرائط، فلما خلا المجلس من جلسائه، انتهزها أبو العلاء فرصة، فتجرد من ثيابه ولم يبق عليه إلا قميصه المرقع بالخرائط، فسأله المنصور: ما هذا يا أبا العلاء؟ فقال: هذه الخرائط التي وصلت إلي فيها صلات مولانا اتخذها شعاراً، ثم بكى، وتبع ذلك بعبارات الشكر والامتنان، فأعجب المنصور بذلك، وقال له: لك عندي المزيد، وكان كما قال.
عظمت منزلة أبي العلاء عند المنصور لغزارة علمه في اللغة والأدب والأخبار، ولسرعة بديهته، ولمتعة مجالسته، فنال من المنصور أموالاً كثيرة، فقام بتأليف كتاب أسماه «الفصوص»، قلد فيه كتاب «النوادر» لأبي علي القالي، الذي قدم هو الآخر إلى الأندلس من الشرق، من ديار بكر تحديداً، وكان ذلك في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر، أي قبل قدوم أبي العلاء.
فيقال إن أبا العلاء صاعد دفع كتاب «الفصوص»، حين كمل، لغلام له يحمله بين يديه ليعبر به نهر قرطبة، فخانت الغلام رجلاه، فسقط في النهر هو والكتاب، فقال في ذلك ابن العريف شامتا، وهو أحد شعراء الأندلس، وأحد الحاسدين له:
«قد غاص في البحر كتاب الفصوص
وهكذا كل ثقيل يغوص».
فضحك المنصور والحاضرون، فلم يرع ذلك أبو العلاء، ولم يرتبك، ولا حتى هاله ما حصل لكتابه وما قيل فيه، فقال مرتجلا مجيبا لابن العريف:
عاد إلى معدنه إنما
توجد في قعر البحار الفصوص
فصار عجز البيت الأخير، «إنما توجد في قعر البحار الفصوص»، مثلا يضرب به، فأبو العلاء صاعد وصف كتابه بأنه ثمين كفصوص اللؤلؤ والمرجان، فكلها غائصة في قعر البحار.
طلال عبد الكريم العرب
[email protected]
