سيكولوجية التقدير: بين ميزان “الألم والمتعة” وترميم الذات

بقلم: د. منى النحلاوي  …..

 

في عمق النفس البشرية، يُحركنا محركان أساسيان: الرغبة في المتعة والهروب من الألم. وعندما نتحدث عن “التقدير”، فنحن نتحدث عن أقصى درجات المتعة النفسية التي تثبت للإنسان وجوده وقيمته. إن التقدير ليس ترفاً، بل هو ضرورة حتمية تضعنا أمام جوهر احتياجاتنا الإنسانية.
التقدير في هرم الاحتياجات الإنسانية
لعل أشهر من فسر هذا الاحتياج هو عالم النفس “أبراهام ماسلو”، الذي وضع “الحاجة للتقدير” في المرتبة الرابعة من هرمه الشهير، مباشرة قبل قمة الهرم (تحقيق الذات). هذا يعني أن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى أقصى طاقاته الإبداعية دون أن يمر بمرحلة الاعتراف بجدارته والإشادة بإنجازاته.
التقدير.. متعة الوجود وألم الجحود
من خلال عملي في “الكوتشينج”، ادركت أن فعل التقدير هو وقود الثقة بالنفس. فالحصول عليه يمنح الشخص “متعة” الشعور بأنه عضو فعال ومحبوب، مما يزيد من شغفه وإنتاجيته. وبالمقابل، يكمن “الألم” الحقيقي في الانتقاص من القدر أو غياب العرفان؛ فهذا الألم لا يكسر الروح فحسب، بل قد يؤدي إلى حالات من الاكتئاب والعزلة وفقدان الهوية.
عندما يصبح “السكوت” تقديراً للذات
حينما يضيق الواقع بجحود البعض، وتكتشف أن موازين التقدير لديهم مختلة، لابد أن تستحضر صوت الحكمة والاعتزاز بداخلك. هنا، يتحول الهروب من “ألم الخذلان” إلى “متعة السلام الداخلي”، وكأننى اقول بلسان حالك :
“عندما تعشق الحياة أباها، وتبقى في الذاكرة ثناها، ولا يأخذ على المولى نداها.. ارجع إلى سريرك واخمد، فليس كل غدّارٍ ملاها.”
إنها دعوة للرضا بما عند الخالق، والانسحاب بكرامة من ساحات لا تُقدر الإنسان حق قدره، فالاكتفاء بالله وبالذات هو أرقى أنواع التقدير الذاتي.
ثقافة التقدير: من “الفجوة” إلى “المكسب”
في علم النفس، يعيش معظم الناس في “الفجوة” (Gap)، حيث لا يرون إلا خيبات ماضيهم وما ينقصهم. لكن التقدير والامتنان ينقلاننا إلى “المكسب” (Gain):
• الامتنان يرمم الماضي: بجعله درساً ملهماً بدلاً من كونه “ألمًا” نعيش فيه كضحايا.
• التقدير يغير الحاضر: بالتركيز على القدرات الشخصية والفرص المتاحة حالياً بدلاً من الظروف المعيقة.

ثقافة “شكراً”: كلمة تغير الروح

إن كلمة “شكراً” النابعة من الأعماق، والابتسامة الصادقة، هي أدوات بسيطة مفعولها عظيم في تغيير “كيمياء” العلاقات. التقدير يبدأ من الشخص نفسه؛ بتقديره لذاته أولاً، ثم بتقديره لكل من يحيط به. نحن بحاجة لبعضنا البعض، والتقدير هو الجسر الذي يحول ألم الوحدة إلى متعة المشاركة والارتقاء.
الخاتمة
لقد آن الأوان لنعتمد “التقدير” كمنهج حياة، لا كمجاملة عابرة. فالتحديات ستظل موجودة، والقيود غالباً ما تكون في عقولنا فقط. عندما تركز على قدرتك بدلاً من ظروفك، وتبدأ في نثر كلمات التقدير والامتنان، ستجد أن الحياة بدأت تفتح لك أبواباً من الرضا لم تكن تتخيلها.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا