أبستمولوجيا الشعر ومسارات التأويل في مجموعة «لا مأوى أيتها الغيمة»

غسان حس محمد

بين النص الأدبي والنص النقدي مشتركات تقف على رأسيهما اللغة.. بوصفها منظومة إشارية، رمزية، دلالية، براغماتية، إيصالية، رسالية.. تؤسس مرتكزاتها الشكلية والمضمونية تبعاً لأنساق لغوية وثقافية وسياقات اجتماعية وتأريخية.. تبث فواعلها ككائن حي يمارس دوره الوجودي والوظائفي والذرائعي، كخطاب يعمل على زيادة الشحنة الدلالية لإكمال دائرة التلقي بين الناص/المنتج والنص، والمتلقي/ القارئ الناقد.
يذكر العالم أبو حيان التوحيدي في كتابه «النظم والنثر»: «أن العملية النقدية أصعب من الإنتاج الأدبي، لأنها تتحمل مسؤولية البحث في خصائصها التكوينية والمضمونية، وبالتالي فهي تقوم بدور مزدوج: الأول استيعاب النص، والثاني تجاوز هذا النص قصد قراءته قراءة نقدية»، وفق مفهوم الاحتواء والتجاوز الذي يمارسه الناقد». يتضح بجلاء أن النقد صنعة إبداعية تنطلق من النص وقد تسبقه بقراءة قبلية – تكهنات واحتمالات وتوقعات عما يكون عليه النص، بنيت على الشكل أساساً لأنه أنتج داخل سياق ثقافي معين، أو مما عرف عن الكاتب ككتابته لنوع محدد من الأدب.. وهي مرحلة تحضيرية للدخول إلى عتبة النص- ونسقية- أفقية، بمعنى التعرف على محاور وعناصر النص ومرتكزاته، بغية الوصول إلى المعنى العميق للنص، على أن البنيويين يعدون القراءة النسقية بحثاً في الجانب الفني والتقني للنص (غراهام هو/ مقالة في النقد، ترجمة محيي الدين صبحي/ دمشق1973)، ومن ثم الإلمام بالبناء الفني والاجتماعي، كما اجترحها غولدمان رائدا، بغية الإحاطة التامة بمكونات ومعطيات النص، فليس كل نص يعطي معناه بيسر .. إذ دائما ثمة ما يتخفى في نسيجه.. فالنقد يمارس قراءته الحافة (قراءة ظلال الكلمات). وهنا يذكر رولان بارت «النشاط النقدي يعول فيه على نوعين من العلاقات: الأولى علاقة اللغة النقدية بلغة الكاتب المدروس والثانية علاقة هذه اللغة الموضوعة بالعالم».
هي علاقة خطاب بخطاب.. علاقات داخلية ضمن المكونات النصية والجمالية، إنتاجاً وأثرا، علاقة داخلية/ خارجية/، لغة/عالما.. وفق معطيات النص الشكلية والمضمونية وتفاعله مع المحيط الآخر التأريخي والاجتماعي والأيديولوجي.. علاقات الحضور/ الغياب، الداخل/الخارج وسبر أغوار النص، وفق تمايز الدلالات وتعدد التأويلات، فالنصوص حمالة أوجه، يشار إليها بالتحليل والتوصيف والحكم بمهماز الناقد الحصيف… النص النقدي كما يشير الجرجاني (تحصيل معنى المعنى).
« لا مأوى ايتها الغيمة» مجموعة الشاعر ماجد الحسن، الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد2017. منذ كلماتها الأولى حملت هم الشاعر الوجودي وقلقه المتبدي على صفحات المجموعة.. هنا يتضح ما ينشغل ويعتمل ويمور في ذهن الشاعر.. الشاهد على عصره من انهمام بالإنسان والعالم ووقائعه في الحروب والكوارث، والأسى الذي يرزح تحته إنسان هذا العالم. لغة سوداوية كابية، كأنها الكابوس الجاثم على صدر الشاعر.. ارتياب وخوف من الحاضر المرير وخشية من مستقبل يضج بالمجاهيل التي لا تشير إلى بصيص ضوء في آخر النفق:
«كيف أرمم صعودي/ وخلفي تجرَّ صحراءها الوجوهُ؟ أنصتُ له/ فعليه أن يسمي الظلام براعة الأقبية ودقائقه فراشات.. لا تخبئ شهوتها في محفلٍ للنارِ/ وأن سيل المقابرِ أعشاشٌ/ لصباح يحترفُ النحيب. (متحف الوقت)
«رجلٌ، يتثاءبُ على شفتيه الدخانُ/ وامرأة، تحصي نظارتها على حبل الغسيل. (بيوت)
«لا أسمعُ من هذه الحقول الا أنين الندى/ وصفيراً يطحنهُ الظلام. (حراثة الوقت)
«وأنا حذرٌ.. أدجّنُ الليلَ/ لأطمئن أن لا أحد سيقلبُ هذا الرمادَ سواي. (احتراس).
«دائماً ما تسير الحرائق/ لتعدَّ لها وليمة من هذه البيوت (ولائم)
«هذا الذي أمامك ليس إلا، دمٌ تبررهُ مخالب العبوات. (شبح)
هكذا يرتاب الشاعر من الحاضر ومن المستقبل، فهو كائن شفيف يعمل على سعادة البشرية التي أصبحت بفعل يد الإنسان حلما بعيد التحقق.. نص الشاعر الحسن، لا يمر إلى الأذهان بيسر.. فقد انحاز الشاعر إلى المعرفيات بشكل كبير.. فهو خريج الفلسفة والمشتغل منذ عقود في حقول اللسانيات والمعرفيات بأصدارات ثقافية ونقدية نافت على الخمسة.. نرى أن اللغة الفلسفية وهي تحمل روح المنطق وعلاقاته الرياضية الفرضية والبديهية، النظرية المجردة، قد ألقت ظلالها على شعرية الحسن، فسيادة العقل على الحسِّ يتبدى بمفرداته وقصائده التي تحتاج إلى أكثر من قراءة للوقوف على دلالاتها وشبكة علائقياتها ومفهومياتها، وإدراك متبنياتها وموضوعاتها.. عزز هذا اعتكاز الشاعر إجناسياً في بناء قصيدته، على قصيدة النثر وعناصرها في الإيجاز والتكثيف والمجانية. وعلى الرغم من أن الشاعر في قصائده الطوال يرتكن إلى استخدام السرد، إلا أن سرده يعمل كما الرمز الذي يحتاج إلى ذهن يفك مغاليقه.. وهنا كانت أغلب قصائد المجموعة تقع تحت طائلة التجريد الذهني العالي.. الذي يحتاج إلى قارئ ناقد متيقظ له مرجعياته الثقافية التي تسعفه في الإلمام بالنصوص. اعتماد الشاعر على اللغة الإشارية الرمزية لم يقتصر على القصائد الطوال، بل إن قصائده القصار، هي الأخرى كانت أقرب ما تكون إلى شذرات المتصوفة.. تلك المرجعية التي نهل منها الشاعر كأكاديمي.. كانت تظهر فواعلها في شعره وعياً بأهمية هذا الإرث الفلسفي الكبير.
«كان ممتلئاً بالأسئلة الأسئلة التي تسلقت المقاعدَ/ وتعفنت خياراتها على الطاولة» (نصوص).
«هو، يفتشُ عن غيمةٍ/ هي تبتكر الاشتعال/ وفي لحظة الصحو/ مطرٌ يتعثرُ على النافذة/ ورمادٌ يحبو على الجدران (مواربة)
«سأقفُ طويلاً هذه المرة/ علّ الشمس تبرر أن الدقائق تعفنت طرقاتها/ ولم أعد أصلحُ/ سوى فزاعةٍ تهشُّ الانتظار» (محاولة).
بين العقل وفواعله ومتبنياته وإدراكاته والحسّ ببنياته العاطفية والوجدية على امتداد فضاءات المجموعة، كانت رؤى الشاعر ماجد الحسن تمارس كشوفاتها وتجلياتها وسياحاتها الشعرية المعرفية باذخة الجمال والمعنى.

كاتب عراقي

قد يعجبك ايضا