المؤامرة.. تعني الغدر
مصطفى الصراف
الغدر كلمة تعني نقض الوعد، كما تعني الخيانة، أي إظهار الحب والمودة ظاهراً، بينما في السر والخفاء يكمن الحقد والعداء، والعمل على اغتيال من أعطاك ثقته، ولا شك أن هذه صفة مذمومة في كل الشرائع والقوانين البشرية، لأنها صفة تهدم المبادئ والقيم، وتنحرف بالبشر عن المسار القويم للإنسانية، ويحل محلها عالم خالٍ من القيم. والغدر يختلف عن الخدعة والخديعة التي يستعملها الأعداء فيما بينهم سلماً أو حرباً، فهي أي الخديعة تتم بين عدوين ظاهر عداؤهما، ويستعملان في مبارزتهما كل الحيل والخدع لإيقاع أحدهما بالآخر، ويتغلب عليه في عداء معلن، أما الغدر فهو أن تستغل ثقة من هو صديق لك فتطعنه في مقتل غيله وغدراً، أي أن يبطن خلاف ما يظهر. ومثال ذلك ما أظهره الاستعمار الانكليزي والفرنسي للعرب من صداقة وحلف ليساعدوهم على التخلص من التركي، ولما ناصرهم العرب، قام الانكليز والفرنسيون بتقاسم النفوذ في الوطن العربي، ليحلوا أنفسهم كمستعمرين بدلا من الاستعمار التركي، وليقطعوا أوصال الوطن العربي إلى إمارات وممالك ضعيفة خاضعة لنفوذهم، وفق ما سمي باتفاقية «سايكس بيكو»، وهذه هي المؤامرة التي حيكت خفاء عن العرب، ثم تم تنفيذها بمشاركة بعض العرب، وبحسن نية، لأن الطرف الغربي قد بيت لهم النية خفاء، وغدر بهم، مستغلا ثقتهم به فنقض عهده لهم، ومثل هذه المؤامرة ما زالت تتكرر من قبل الاستعمار الغربي، ويرسم لتنفيذها سيناريوهات مختلفة، وكلما فشل تنفيذ أحدها جيء بالآخر، لأن الاستعمار الغربي صار معتمدا على من غير هو قادر على اتخاذ موقف معاد له رغم عدائه المستمر لشعوب المنطقة، وما زال البعض يوليه ثقته، كمن أسلم رقبته إلى السياف. ولتعلم أن كل ما نعانيه في بلادنا العربية من ويلات وفقر وفساد وخصومات وحروب، إنما هو بفعل الغرب المتآمر علينا، ولا نقول ذلك لنجعل من نظرية المؤامرة شماعة لنعلق فشلنا عليها، بل إذا كان هناك من خطأ فهو أننا أعطيناهم ثقتنا، وجعلنا منهم أصدقاء وحلفاء بدلاً من مواجهتهم كأعداء. إنهم يناصبوننا العداء، ويحيكون المؤامرات للإيقاع بنا، ونحن نضع أيدينا بأيديهم مصدقين ما يظهرونه لنا من مودة مزيفة، وهذا ما يسهل لهم اغتيالنا. ويجب أن نأخذ العبرة مما مر بنا معهم، فهم لن يكونوا أصدقاء لنا لأن أطماعهم بنا لا تتيح لهم الفرصة ليكونوا أصدقاء لنا بسبب تعارض مصالحنا معهم. ففرض التخلف علينا مكسب لهم. وتنميتنا خسارة تلحق بهم.