الكتابة في بحثها عن متعة قتل
رشيد المومني
من الإشكاليات النظرية، ما يظل محتفظا ببياضاته التي يستدعي ملؤها استمرارية طرح السؤال، وتغيير زاوية النظر، كي تتحقق إمكانية تبديد تلك الغيوم، التي تجد ضالتها في ملازمة مداراته، ما يحيطه بغير قليل من الجاذبية والإثارة، حيث لا يملك معه السؤال، إلا أن يجدد تطوافه الاستكشافي، من أجل استجلاء أسرار هذه الجاذبية، وفك شيفرة تلك الغيوم الحاجبة. ولعل إشكالية موت المؤلف، التي سبق أن تناولناها بصيغها المتعددة في سياقات سابقة، من بين هذه الإشكاليات التي تظل منفتحة على القول وضده. ذلك أننا سنقترح في هذا السياق الجديد، تناولها من منطلق مد مسافة فاصلة بين اسم الكاتب /المؤلف ومنجزه، في أفق التعرف على المنحى الذي تتخذه الكتابة بوصفها حياة شبه مستقلة بذاتها.
وفي أفق التخفيف من حدة ذلك التشويش الناتج عن الحضور المهيمن لجسد المؤلف في جسد النص. وهي مبادرة تستجيب بشكل أو بآخر، لمنطق التحولات التي تعيشها الحساسيات الإبداعية والنظرية على المستوى الكوني، بقوة استجابتها لهاجس استجلاء ما تخفى من أبعادها، حيث يبدو لنا التسليم بفكرة موت المؤلف، بمثابة تأكيد ضمني، على تواجده الفعلي في متاهات الحياة وعرصاتها. كما هو تأكيد على شرط استمرارية تحكمه في ما تستخلصه قراءاتنا لنصوصه من حقائق وقضايا، خاصة أن شرعية انفتاحنا على هذه النصوص، تظل رهينة تعرفنا واستئناسنا بهوية مؤلفيها.
من هنا يصح القول، بأن حديثنا عن ذات المؤلف أو موته، يندرج ضمن إطار الاستمتاع بوجودنا ونحن أحياء نُرزق، حيث يصبح الأمر شبيها بتشفينا من صولة الموت ،وهو يستعرض مواكبه الرمادية تحت أنظارنا، بدون أن يتمكن من إنشاب أظفاره في حناجرنا، حتى إن «احتفاءنا» الوجل به، وغنائيتنا المبحوحة في تعداد ألوانه وأشكاله، تتخذ شكلا من أشكال الاحتفاء الضمني بوجودنا نحن، بوصفنا كائنات لا غبار على حياتها.
الذات الكاتبة التي تم الاعتقاد في قتلها، تظل متمسكة بحضورها الإشكالي على مستوى الواقع، على الرغم من وعيها المتقدم بمغازلة طيف أو شبح الموت لأطيافها.
في ظل هذه المفارقة العجيبة، يعيش الكاتب موتَه الرمزي، أو بالأحرى، يعيش حياته وموته معا، كما يعيش انبعاثه في الآن نفسه وهو حي/ ميت بيننا، وذلك بعض من جمالية الطقوس، التي تتفنن الحداثة في إحيائها، وهي على كل حال، جمالية لا تخلو من مكرها التلقائي والطبيعي.
غير أننا وبما تيسر من اليقين سنقول، إن الذات الكاتبة التي تم الاعتقاد في قتلها، تظل متمسكة بحضورها الإشكالي على مستوى الواقع، على الرغم من وعيها المتقدم بمغازلة طيف أو شبح الموت لأطيافها، بدون أن تكون بالضرورة ملمة بأسبابه وعِلاَّت هذه المغازلة اللصيقة. والشيء ذاته، ينسحب على ما تتعرض له «الذات» تباعا من مناوشات التغييب والانمحاء، في مجموع ما تتردد عليه من فضاءات. وهو ما يفسر دلالة سيطرة سؤال القتل، أو الموت – إن شئت- بصيغه المتعددة، على أهم ما يبدعه الكاتب من نصوص. وأيضا ما يجعل الذوات بمختلف مرجعياتها الواقعية أو المخيالية المتواجدة داخل النصوص أو خارجها، مسكونة بالبحث العلني أو السري، عن مصدر هذا التهديد الغائب الحاضر، الذي يحتمل أن يكون حاليا بصدد شق طريقه باتجاهها. إنها تبحث عنه ربما من أجل تفادي محنة ارتطامها به، ذلك الشبح الميتافيزيقي والغامض، المتربص بها من خلف ظلمات النص وأهواله. إنها ومن أجل عرقلة تعقب الشبح لها، تلجأ إلى كبح جماحه بإعلانها عن قابليتها الذاتية والحرة لتجريب لعبة الفناء فيه. ولعل تبادل هذا التعقب وهذه المطاردة هما سبب حدوث حالة قصوى من التماهي بينهما، التي توشك أن تتداعى معها الحدود الفاصلة بين الذات، وموتها وغيابها، بما يوحي للملاحظ، ولها هي أيضا، باحتجاب المسافة الفاصلة بين حضورها وغيابها.
كما أن ما يساهم في بلورة هذا الانطباع، هو تضاعف حالة إحساسها بالعدم الذي يكون شبيها بحافة هاوية متحركة تلازم خطوات الذات الكاتبة في حلها وترحالها، الشيء الذي يضعنا رأسا في قلب الحاجة الماسة والملحة إلى تلك الطمأنينة المؤقتة، التي تساعدنا على رد رهبة القتل، والمجسدة أساسا في تبنينا لكل من الرؤية الروحية، أو الإبداعية المتضمنة في نص الكتابة، أو نصوص الحياة.
ومع ذلك، يمكن اعتبار حالة موت الكاتب الموجهة بنزعتها العدوانية من قبل الآخر/القارئ «الذي يمكن أن يتخذ شكل مؤسسة تسويقية أو أكاديمية»، نمطا من أنماط التعرية التامة لجسد الكينونة، من أجل التملي الاضطراري والقدري في جوهرها المتخفي، الذي يطيب له أن يحمل اسم العدم، كلما أمعن في التباسه وغموضه. مع العلم أن التملي في العدم، لا يمكن أن يصنف بالضرورة في خانة مجاورة الفناء، حيث لا علاقة للنظر إلى وجه العدم بالرؤية التقييمية للوجود، سلبية كانت أو إيجابية. إنها خلافا لذلك، تعبير صريح عن الحق في تقبل مرارة الاحتجاب، وفي تقبل خطر الذهاب إلى عرين الخلل الكوني. تلك هي الرؤية التي يتمحور حولها مستوى معين من مستويات الدرس الحداثي، وهو يدمن إيغاله بشكل مباشر في عمق ذلك الثقب الأسود، الذي عبثا ما تحاول الحياة نسيانه وتجاهله، كي يظل في منأى عن أنظارنا وعن اهتمامنا. لأن هذا الثقب في عرف النظرة المتعالية والقدرية، ينبغي أن يظل حيث هو، محتجبا ومتخفيا، مادام ظهوره المتكرر، سيؤدي لا محالة، إلى إحداث عرقلة في حركية الحياة التي لا تسمح قوانينها بظهور غريم معارض ومناقض لاختياراتها. من هنا يمكن اعتبار الذهاب إلى هناك، أي إلى مسكن الغياب/العدم، نوعا من المغامرة بالذهاب إلى العدم، بما هو مركز مشمول بإشكاليات ذات طابع كلي، يستعصي تناوله على الذات البشرية، المحاصرة بكل ما هو جزئي ونسبي، إنه الجوهر المتعالي عن التعرف البسيط، الذي يظل أسير التجليات الشكلية، والمتقطعة التي ينثرها القلق تباعا على طرقات الكلام، وعلى ساحات القول.
وفي اعتقادنا أن الرؤية القاصرة والاختزالية لقضايا الكون وقضايا الخطاب سوف تتعامل مع هذا الطرح بغير قليل من التحفظ، الذي يحول دون إدراكها لطبيعة التفاعلات المستترة والخفية القائمة بين الظاهر والباطن، بين ما هو قيد الوجود، وما هو قيد العدم. تحفظ يساهم في تضخيم حالة الاستقلالية المطلقة التي توحي الظواهر بتملكها. ذلك هو الطرح، أو التصور، الذي يخص الذات الكاتبة المنذورة لتجاوز حدود المعطى، بما هي حدود المعاني الملقاة على الطريق، باتجاهات أخرى متاخمة للعدم، حيث تستأنس منسيات الوجود بأشباهها، وحيث يمكن تسليط ما تيسر من الضوء، على الهندسة الخفية التي تخطط لها الحياة، وهي في طريقها إلى منازلها المنتظرة.
لذلك فإن ما يدعو للإشفاق، هو كون الكتابة المسكونة بهوس البقاء، غير مستعدة إطلاقا للاقتناع بأي شكل من أشكال موت الذات الكاتبة، سواء على المستوى الرمزي النصي، أو الدلالي، إنها بهذا المعنى مصابة برهابه، وتعيش باستمرار رعب تعرضها لتصفيته جسديا ورمزيا، بدون أن يترك لها أي مجال لتأكيد حضورها المفرغ من حضوره، باعتبار أن الرصيد الوحيد الذي تمتلكه، هو ذاتها. أما كل ما يمكن أن ينكتب أو ينقال، فليس شيئا آخر عدا معيشها الموثق والمدون، الذي لا تتسرب إليه أنواء قول مؤثث بما لا ينتهي من وجوه الحياة أو القتل.
٭ شاعر وكاتب من المغرب