الانفجار
لانا مامكغ
علمت أنَّ زوجها قد نُقل إلى المستشفى إثرَ حادثٍ مروريّ، فاتّجهت إلى هناك بذهولٍ ورهبة حيثُ أخبروها أنَّ المحاولاتِ جاريةٌ لإنقاذه، فمرَّ يومان عصيبان في قلقٍ وترقّب وتساؤلٍ حارق: «هل سيموت؟ أم يعودُ إليها ببعض حياة؟» لتجدَ نفسها في لحظةِ صدقٍ مريرة تُفضّل الاحتمالَ الأوّل، لأنَّ الثّاني يتطلّبُ منها مقاديرَ من الحبِّ هي قطعا لن تكونَ قادرة على تقديمِها، فالحياةُ معه لم تكن نزهة، بقدْرِ ما كانت رحلة من الشّقاء، فهي لا تنسى كيف اجتهدَ طوالَ الوقت في تعزيز نفورِها منه، كان باردا مستبدّا متسلّطا يستمتعُ بالهيمنة عليها ليل نهار، وهو يُحصي عليها أنفاسَها وحركاتِها، ولا يوفّرُ مناسبة ليستلّذُ بتوجيه النّقد الجارحِ لها. لماذا لم تهجرْه؟ كانت أجبن من أن تتّخذَ خطوة كتلك، مُقنعة ذاتها، ببلاهة، أنّه سيتغيّرُ يوما ما!
اقتربَ منها الطّبيب بحذر ليخبرَها أنَّ جميعَ محاولات إنقاذِه باءت بالفشل، لكن، وبعد جهودٍ مُضنية، استطاعوا الاحتفاظَ بدماغه حيّا، إضافة إلى إحدى عينيه، والأعصاب الموصلة بينهما، ليتمَّ وضعُ ذلك كلَّه داخلَ جهازٍ متطوّر يُصدرُ صوتا معيّنا في ما إذا رأت عينُه ما يثير الغضب!
أطرقت بذهولٍ تامّ لتسمعَه يضيف: «أعلمُ مدى سرورك بالنّتيجة رغم تواضعها، فهذه بقاياه التي ستشعرك أنّه ما زال معك وبقربك، وكم نحن آسفون سيّدتي لأنّنا عجزنا عن إنقاذ الأعصابِ الخاصّة بالفرح أو الحبّ أو الانفعالات الأخرى!». استلمت الجهازَ بملامحَ جامدة لا تحملُ أيَّ تعبير، ومضت تاركة الطبيبَ خلفها سعيدا مزهوّا مُنتشيا بإنجازه. وصلت إلى البيت، فوضعته على المنضدة برفق وهي تقاومُ شعورا بالذّعر من تلك العين المبحلقة فيها، لكن هدّأت نفسَها حين تذكّرت أنّه عينه إيّاها ليس إلا، تلك التي اعتادت على مراقبة حركاتها وعدِّ أنفاسها، وقامت لتغيّرَ ثيابها، فتناولت ثوبا منزليّا مريحا كانت قد ابتاعته في وقتٍ مضى، ثوبا كان يمقتُ لونَه، فحرمها من ارتدائه، رغمَ علمه أنّها تعشقُ ذلك الّلونَ تحديدا! عادت وجلست لتتسلّى بقراءة مجلّة، وفجأة، بدأ رنينٌ رتيب يصدرُ من الجهاز، نظرت نحوه، ابتسمت، ابتعدت قليلا وعادت، لكنَّ الجهازَ لم يتوقّف عن الرّنين، فذهبت واستبدلت الثّوبَ بآخر وجلست، هنا فقط، توقّفَ الصّوت! أدارت جهاز التلفزيون، فطالعها برنامجٌ وثائقيّ عن النّباتات الغريبة في الغابات الاستوائيّة، شدّها الموضوع فبدأت بالمتابعة، ثمَّ لتفاجأ بالرّنين يتصاعدُ من جديد، حينها تذكّرت أنّه موعدُ برنامجه الرّياضيّ المفضّل، لكنّها قرّرت التّجاهل لوهلة، فارتفع الرّنينُ إلى حدٍّ اضطرها لتغيير القناة حتى يصمت وقد كان!
قامت، ودارت في المكان قليلا، ثمَّ عادت وفي يدها سيجارة، واحدة من سجائره هو، كان يستمتعُ بالتّدخين في الوقت الذي كان يردّد فيه أنَّ السّيجارة في يد المرأةِ أمرٌ يستفزّه، وجلست أمامه، فارتفعَ الرّنين مرّة أخرى ليخرجَ حادّا صارخا صاخبا، لكنّها لم تأبه، بل أكملت السّيجارة كلّها بدونَ رغبةٍ حقيقيّة منها بالتّدخين، والصّوتُ يزدادُ صخبا وغضبا وشراسة! تناولت كتابا، وقرّرت إنهاءه بعد أن كان يمنعها من القراءة لذلك المؤلّفِ تحديدا، لأنَّ توجّهاته السّياسيّة لا تتّفق مع رؤيته هو، فزعق الرّنينُ من جديد واستمرّ وتواصلَ إلى أن ألقت الكتابَ جانبا! مضت أيّامٌ قليلة على ذلك الوضع بينهما، ثمَّ سُمع صوتُ انفجارٍ مدوٍّ للجهاز ذات ليلةٍ في البيت. وبعد، كانت تلك حكايةٌ سقتها ببعض التّصرّف من مسلسل أجنبيٍّ غرائبيّ قديم وشائق بعنوان:
«توالايت زون» والّلبيبُ من الإشارة يفهم !
٭ كاتبة من الأردن