أبو تمام وسجال الغموض

 

صبحي حديدي

 

ضمن سلسلة «مكتبة الأدب العربي» التي تصدرها مطبعة جامعة نيويورك، صدرت قبل أيام الترجمة الإنكليزية لكتاب الصولي «أخبار أبي تمام»، وأنجزتها المستعربة الألمانية بياتريس غروندلر؛ التي اعتبرت أنّ العمل «يصوّر، أكثر من أي كتاب آخر، دور الشعر في المجتمع الإسلامي ما قبل الحديث»؛ و«يجمع اثنين من أبرز شخصيات التاريخ الثقافي، في واحدة من أكثر مراحل الشعر العربي حيوية». وفي مقدمة الترجمة تناقش غروندلر بعض الأسباب التي جعلت أشعار أبي تمام نادرة في الترجمات الغربية، فتسوق أولاً ما يكتنف قصيدته من صعوبات أسلوبية، لغوية ودلالية وبلاغية؛ كما تساجل بأنّ ميله إلى موضوعات المديح إجمالاً جعلته بمنأى عن المترجمين والناشرين، الذين اعتبروا أنّ هذا الغرض ليس جذاباً لدى قارئ الشعر الغربي.
أمّا الصولي، الذي كتب يعلّق على وقائع وقصائد سبقت زمنه بقرن كامل، فقد أرسى بكتابه هذا أوّل منهج نقدي معمّق لدراسة شعر أبي تمام؛ ولهذا سوف نجد معاصره، الحسن بن بشر الآمدي، ينجز كتابه «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»؛ وبعد قرابة نصف قرن سوف يضع المرزباني كتابه «الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء»، الذي سيعدد فيه مثالب أبي تمام، بين آخرين.
وإلى جانب ما ينقله الصولي من معلومات وفيرة حول أخبار الشعر والشعراء، خاصة في ميدان التكسب والتقرّب من السلطة، ترى غروندلر أنّ الكتاب يقدّم رؤية فريدة حول الطور التكويني في نقد الشعر خلال تلك الحقبة؛ إذْ تقع فصوله على تقاطع طرق، وتطورات ثقافية وأدبية وفكرية، متنوعة. كما يكشف مرحلتين في استقبال شعر أبي تمام: الأولى تتمثل في كتاب «الأخبار» ذاته، والثانية في جهود جمع وإعادة تصنيف أشعار أبي تمام. كلّ هذا على خلفية مركزية كبرى حكمت معادلة حضور أبي تمام في الذائقة آنذاك، أي غموض شعره وعسر استقباله لدى الخاصة مثل العامة؛ الأمر الذي لم يمنع، مع ذلك، المكانة الرفيعة التي حظي بها بين شعراء عصره.

ستيتكيفيتش توافق أنّ أبا تمام كان من أهمّ شعراء العصر العباسي، ولكنها تجزم أيضاً أنه كان الأبرز في استخدام البديع، الأمر وهذا جرّ عليه موجات من النقد حيناً والإعجاب المبطّن بالحسد حيناً آخر.

وبين روايات الصولي حول صعوبة شعر أبي تمام أنّ أعرابياً سمع قصيدته في مديح خالد بن يزيد الشيباني، التي يقول مطلعها:
طَلَلَ الجَميعِ، لقدْ عفَوْتَ حميدا/ وكفى على رزئي بذاك شهيدا
دِمَنٌ كأنَّ البَيْنَ أصبح طالباً/ دمناً لدى آرامها وحقودا
قَرَّبْتَ نَازِحة َ القلوب منَ الجوى/ وتركتَ شأوَ الدمعِ فيكَ بعيدا
خَضِلاً، إذا العبراتُ لم تَبْرَحْ لَها/ وطناً سرى قلقَ المحلِّ طريدا
فلما سُئل كيف ترى هذا الشعر، قال: فيه ما أستحسنه، وفيه ما لا أعرفه ولم أسمع بمثله، فإمّا أن يكون هذا الرجل أشعر الناس جميعاً، وإما أن يكون الناس جميعاً أشعر منه! وثمة، بالطبع، تلك الواقعة الشهيرة التي ينقلها الآمدي، حين طرح أبو العميشل السؤال على أبي تمام: لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فأجابه: وأنت لماذا لا تفهم ما يُقال!
والحديث عن أبي تمام، وكذلك المستعربة غروندلر، يقود إلى مستعربة أخرى، وناقدة أمريكية أوكرانية الأصل، هي سوزان ب. ستيتكيفيتش، في كتابها «أبو تمام وشعريات العصر العباسي»؛ الذي ــ رغم تحفظات مبدئية حول اعتماد منهجية التأصيل الأنثروبولوجي لجذور الشعر الجاهلي ــ أرى أنه العمل الكلاسيكي الأبرز عن الشاعر، ولعلّه الأعمق أيضاً، في أية لغة أوروبية. ستيتكيفيتش توافق أنّ أبا تمام كان من أهمّ شعراء العصر العباسي، ولكنها تجزم أيضاً أنه كان الأبرز في استخدام البديع، الأمر وهذا جرّ عليه موجات من النقد حيناً والإعجاب المبطّن بالحسد حيناً آخر. وهي تستفيض في مناقشة معنى البديع في شعره، وتساجل على نحو مقنع بأنه لم ينهض على الصنعة والتكلّف أو التجميل الشكلاني، وكان توظيف الكناية والاستعارة ركناً أساسياً في الطـــــراز الفكري الذي نهـــض عليه شعره، وجزءاً مكوِّناً في العمارة الوصفية التي أعطتنا بعض أعظم قصائده. كذلك يستهويها أن تستقصي المحيط الأسطوري الذي اكتنف شعر أبي تمام، ورموزه الكونية، وعناصر بيئته الطقسية ــ الروحية، فضلاً عن أغراضه التي أقامت ميزان ذهب نادراً بين المديح والرثاء.
يبقى أنّ أبا تمام، حجر بن أوس الطائي، ولد في بلدة جاسم من أعمال حوران السورية، وعنها يقول ياقوت الحموي: «قرية بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ على يمين الطريق الأعظم إلى طبرية، انتقل إليها جاسم بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام أيام تبلبلت الألسن ببابل، فسُميتْ به». والشاعر من أصول يونانية، اتكأ عليها طه حسين ذات يوم لكي يفسّر مكانته وصعوبة شعره في آن: «لأنه يختلف عمّن تقدمه وعاصره من الشعراء في تصوره للشعر نفسه، وفي شدة أخذه نفسه بتحديد المعاني ووحدة القصيدة، وفي كلفه بوصف الطبيعة وميله إلى المعاني الفلسفية يضمنها شعره أياً كان الموضوع الذي ينظم فيه».
ويبقى، أخيراً، أنّ هذا الشاعر الكبير كان قد حرّض أولى السجالات في النقد العربي القديم حول إشكالية الغموض المقترن بالقول الشعري، وحدود الفارق بين الذي يُقال لكي يُفهم على نحو أحادي جامد؛ وذاك الذي يُقال لكي يستدعي مستويات شتى من الفهم، متعارضة أو متكاملة.

قد يعجبك ايضا