الإسفنجة الغبية
بروين حبيب
أخبرني ماذا تقرأ أخبرك من أنت، عبارة شهيرة للكاتب الفرنسي فرنسوا مورياك
(1885 ـ 1970) نسبها عدد لا بأس به من كتابنا العرب لأنفسهم، وهذا شيء لا حرج فيه، ما دام كل من يتقن لغة أجنبية في هذا الزمن البائس، يسمح لنفسه بسلخها ليبهر أبناء مجتمعه الرّافلين في الجهل، وهذا موضوع آخر لا جدوى من إثارته الآن، أمام مناقشة العبارة نفسها التي أرى فيها جانبا آخر أهمله كتابنا، وقراؤنا على السواء.
فهل كل ما نقرأه يكشف عن خبايانا؟ ويعرّف عنّا؟ منذ أكثر من ربع قرن، كان القارئ العربي موجّها ليقرأ ما يسمى بالكتب الدينية، أمّا قبلها فقد وجّه لقراءة الروايات المقبلة إلينا من الاتحاد السوفييتي قبل تفككه، وهاتان حقبتان خطيرتان في تاريخ القراءة العربي، وهما مجرّد نموذجين لا غير عن نوع القراءة التي انتشرت عندنا، والتي يمكن اعتبارها «قراءة موجّهة» لقارئ لم يعرف أن يمارس حقه في اختيار ما يريد، كونه ضُبِط في الصف منذ بداية حياته، لا لفتح عقله على المعرفة بشساعتها، بل لبرمجته، فالقراءة أولا امتصاص للأفكار، ثم مقارنة بين القراءات، ثم مناقشة، ثم بحث عن الحقيقة، ثم استنتاج.
لقد كان من النادر، إن لم يكن من المستحيل، أن نحيد عن الخطّ المرسوم لنا كقراء، وقد قيل إن المجتمعات التي أوجدت معابر سرية لقراءة ما هو مختلف، سُلّطت عليها الحروب لأنّ لا شيء يقضي على العقل غير إدخاله في دوّامة من الرعب. على الرّغم من أنّ القارئ الحقيقي بإمكانه إنقاذ نفسه من بشاعة الحرب بالقراءة، وقد جَعَلنا الكاتب الأسترالي ماركوس سوزاك نعيش تلك المتعة المسروقة مع طفلة ألمانية سرد الموت قدرها الغريب مع الحرب والكتب في الوقت نفسه. كانت تلك الرواية التي حوّلها المخرج البريطاني برايان برسيفال إلى تحفة سينمائية سنة 2013، من أجمل الروايات التي خاضت في موضوع قوة الكلمة، باسطة كل أسرارها للعامّة، فلا شيء يخفي أنك ستصبح ما تقرأه، لكن حين ينبع حب القراءة من فضولك، ورغبتك التي لا تحدها قضبان.
منذ الأزل تعلّم الإنسان أن يقرأ رموز الطبيعة ليعيش بسلام أكثر، فعرف أين يضع قدميه ليعرف طريقه على الأرض، من خلال قراءته لخريطة النجوم المبثوثة في السماء، وعرف أسرار الطقس وتغيرات الجو من قراءة حركة الطيور، كان سهلا أن يدوّن ذلك حتى في عمره البدائي، ليسهل الحياة على أولاده، لقد كان هدفه حماية نفسه وأترابه من المخاطر المحيطة به، ومن هذا المنطلق تكوّنت معارفه التي أسست للعلم، وللثقافات المتينة، حين كانت الأهداف سلمية محضة.
قيل إن المجتمعات التي أوجدت معابر سرية لقراءة ما هو مختلف، سُلّطت عليها الحروب لأنّ لا شيء يقضي على العقل غير إدخاله في دوّامة من الرعب.
كل القراءات الأولى كان منبعها الفضول، لكن بعد ملايين السنين من إنتاج المعارف الأولى وتطويرها، تكوّنت أنواع مختلفة من القراءة، أهمها النموذج السابق الذكر، الذي نحتمي بقضبانه غير مدركين تماما إنها قراءة قاتلة للعقل، مشوّهة له، ومعطّلة لقدراته العظيمة لتطوير ذاته، من أجل التّخلي عن أدواته البدائية لمحاربة الآخر. هذا ما يجعل المقولة الشهيرة لمورياك تنطبق عليه أولا، وعلى نخبة صغيرة أحاطت به في زمنه، وهي تنطبق على أفراد، وربما مجموعات صغيرة مبثوثة في هذا العالم الواسع، لكنّها أبدا لا تنطبق على قارئ أخبار فيسبوك اليوم، والمواقع الملغومة بالمعلومات الخاطئة، والقارئ الذي يعتقد أن المعرفة كلها متوفرة في كتاب واحد لا يجد أصلا الوقت لقراءته، لأن مفهوم القراءة لديه مرتبط بقراءة الكلمات، بدون بحث عن عمق المعنى.
هي لا تنطبق حتى على هذا القارئ القلق الذي يجذبه الكتاب ولكنّه تائه بين العناوين وأسماء المؤلفين، وهو إن اقتنى كتابا أو كتابين في السنة، فهذا لا يكفي لتصنيفه ضمن دائرة القراء، إنّه مجرّد مُطَّلِعٍ، لم تتكوّن لديه بعد رؤية واضحة لفعل القراءة، ولا لخط يبهجه أثناء قراءاته. من هذا المنطلق يبدو جليا أن العبارة أعلاه، التي ينسبها كاتب عربي (نرمز له بحرف س) مثلا لنفسه، غير نابعة من تجربته، وهي لصيقة بفعل سرقة احترافية تكشف عن انتكاسة كبيرة لديه، فإن كان الكاتب نفسه ليس بقارئ، فكيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟ أليس جديرا بنا أن نتعامل مع هذا القارئ باحترام أكثر؟ نحن لا يمكن أن نكون ما نقرأ تماما، إذا ارتبطت قراءاتنا بتفكيرنا الحر، لهذا يجب أن نتحدث عن القارئ الانتقائي الذي يختلف تماما عن القارئ الإقصائي الذي يحاكم النص بمجرد أنه لا يتوافق مع أفكاره، وأعتقد أن هذا الأخير هو الأكثر انتشارا لدينا.
بالطبع يكتسب القارئ جزءا كبيرا من ثقافته من الكتب التي يقرأها، فمنها ما يمتعه، ومنها ما يهذب نفسه، ومنها ما يعلي سقفه، وكلها تأثيرات تتفاعل مع شخصيته، وثقافة عائلته ومحيطه، ومناهج التعليم التي ينهل منها علمه، فالعقل إسفنجة عجيبة تمتص كل ما تلامسه، لكنها تعطينا عصارة مركبة لا تشبه أي عنصر نعرفه على حدة مما عرفناه سابقا. هذا هو سر القراءة الحقيقية، إنها تصنع جانبا صغيرا من شخصية الإنسان، وتجعله هادئا، مفكرا قبل التهور في اتخاذ القرارات، تأخذ بيده، وترتب أفكاره، وتفتح عينيه، فكلما جلس الشخص مع كتابه وأصغى لصوت كاتبه، نمت عنده ملكة الاستماع للآخر، وكلما شعر بأنه استفاد مما قرأ، كبرت تجربته، وكلما وجد ما يشبهه وما لا يشبهه في كتاب، ازدادت استقلاليته. لنفرض أنني توقفت عند قراءة شعر العصر الجاهلي، فهل إن قرأت الشنفرى أو امرأ القيس أو زهير بن أبي سلمى حملت جيناتهم؟ وهل أكون إنسانا قديما إن ملأت مكتبتي بكل ما هو قديم، فما زلنا نقرأ شكسبير ونتذوقه، ونرى ماكبث في بعض من حولنا، وما زال هوغو يفتننا بطفلته كوزيت، لكننا مختلفون حتى ونحن نقرأ الكتب نفسها.
ليس ثمة قاعدة تختصر المعاني البعيدة الصعب رؤيتها في هذه العبارة القصيرة، إنّها أوسع من أن تسجن شخصا في علبة سحرية فيها بضعة كتب، فمن نعم الله علينا أنه وضع في عقولنا مصنعا هائلا لتدوير الأفكار، وإلاّ لظل الإنسان مكانه، يتدفأ في الكهوف أمام النار التي يطهو عليها ما اصطاده.
أعرف أنني أنحو دوما للتشكيك في كل ما أقرأ، لكن هل يجوز أن نتصرّف مثل طيور الببغاء، نردد ما نسمعه؟ ليس عيبا أن نستدلّ بما قاله غيرنا، لكن بدون الاعتداء على ملكية أحد، وليس سيئا أن نطرح الأسئلة بشأن استدلالاتنا، فهذا ما يدفع بنا نحو المقدمة التي تشهد التطور الفكري فعليا. إنّ وظيفة الأدب ليست إكمال حكاية ما في مخيلتنا، بقدر ما هي بذرة تعطي شجرة، والشجرة تثمر حين تجد من يعتني بها، وهذا لا يحدث إلاّ في حالات قول ما نعتقد أنه لم يقل بعد، حين ندرك أن الأدب يعلّمنا أولا أن نتحاور ونناقش، حاملين استفهاماتنا كمفاتيح ذكية للتحكم في مصائرنا.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين