نتنياهو ربط مصيره الشخصي بحملة اليمين لإفشال الديمقراطية الإسرائيلية

 

رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أعلن مساء يوم الأحد الحرب على شرطة إسرائيل، إذ قال إن المسؤولين عن تطبيق القانون يديرون ضده حملة صيد، وإن المحققين فعلياً قاموا بحياكة ملف له.
التوصيات التي نشرتها الشرطة أمس في ختام التحقيق في ملف 4000 والذي اتهم فيه نتنياهو بتلقي الرشوة، تقررت وسربت حتى قبل بداية التحقيق، قال نتنياهو. «لن يكون هناك شيء لأنه لا يوجد شيء»، كما كرر نتنياهو تصريحاته، فهذا يعني أن الشرطة أنفقت ملايين الشواقل وحققت مع عشرات الشهود وبددت آلاف ساعات العمل من التحقيق من أجل تحويل «لا يوجد شيء» إلى ملف تحقيق سميك ومليء بالبينات. إذا كان هذا صحيحاً فإن الأمر يتعلق بمحاولة انقلاب. في كل دولة سليمة كانوا سيحلون الشرطة في اليوم نفسه ويلقون برجالها في السجن.
من الصعب معرفة ما إذا كان نتنياهو نفسه يؤمن بهذه الفرضية الوهمية التي يرميها لناخبيه: من جهة، من يعتقد أن ما هو أمامه لا يعد شيئاً فإنه لا يقوم باستئجار خدمات محامين من الدرجة الأولى. من جهة ثانية، بعد عشرات السنين التي كان فيها كأنه في دور القوزاقي المسلوب، من المحتمل أن نتنياهو نسي أن الأمر يتعلق بعرض تمثيلي. مثل صديقه دونالد ترامب هو يتخيل مؤامرة عالمية تسعى لإسقاطه بكل السبل.
مهما كان الأمر، فإن نتنياهو يقف في هذا المساء أمام جمهور مؤيديه في كفار همكابيه، مثل دريفوس كضحية ساذجة لوحقت بدون ذنب اقترفته. يدور الحديث عن خدعة قديمة لم ينقض أجلها: نتنياهو يثير مؤيديه الذين هم مستعدون لتبني كل نظرية مدحوضة تخرج من فمه، وبواسطته يصب رهبته على الليكود وعلى كل اليمين. وكما يبدو، يعتقد نتنياهو أنه من المعقول أن رئيس حكومة على رأس عمله يتأمر على الشرطة ويضعضع ثقة الجمهور بها كي يخدم مصالحه الشخصية والسياسية والقانونية. هذه ممارسة لمحتال مؤهل أو شخص مصاب بالنرجسية المرضية ويؤمن حقاً أنه هو الدولة، وأن مصلحته هي مصلحتها، وأن الحفاظ على حكمه يعدّ قيمة سامية تبرر كل ضرر.
إن نشر التوصيات في اليوم الأخير للمفتش العام للشرطة، روني الشيخ، وهو قرار مشكوك فيه، وفر لنتنياهو فأساً أخرى كي يحفر بها تحت أساسات الشرطة. نتنياهو يخلق عرضاً عبثياً وكأن «التوقيت الشفاف» لنشر التوصيات يضعضع بشكل ما مصداقيتها أو يلغي الجهد الكبير الذي بذل في بلورتها. مناورة حرف الانتباه أيضاً هذه التي حظيت بإبراز زائد في وسائل الإعلام، سيقبلها مؤيدوه وسيكررها قريباً المتحدثون المخلصون له في الحكومة والكنيست، الذين يخافون من نتنياهو أكثر من ضمائرهم.
توقيت نشر التوصيات في الملف 4000 أمر مهم حقاً، ولكن بمعنى آخر. لقد دمج نهاية الشيخ مع النغمات الحادة لتعيين وريثه. المقرب من نتنياهو جلعاد اردان غير مستعد لقبول رفض مرشحه تشيكو أدري على يد لجنة تعيين كبار الموظفين. لذلك، في الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو الحرب على الشرطة فإن اردان ينقض على مؤسسة حماة العتبة. يسير اردان على نهج سيده: كرامته الجريحة كما يبدو مهمة له أكثر من الحفاظ على الإجراءات الإدارية المناسبة، بدون الحديث عن الضرر المحتمل لكرامة ومصداقية الشرطة التي سيقف على رأسها مفتش عام رفض من قبل اللجنة التي خولت بذلك. هذا هراء، قال اردان لنفسه: الأهم هو الإثبات أن كلمتي هي الكلمة.
بالنسبة لنتنياهو واردان، فإن هذا الوضع هو نتيجة استغلال الظروف المناسبة: نتنياهو ينشغل ببقائه واردان ينشغل بالترقية. في المقابل، بالنسبة لنفتالي بينيت يدور الحديث عن ثورة كاملة وحقيقية. ليس عبثاً أن بينيت وزميلته اييلت شكيد وقفا على رأس من تنصلوا من القاضي اليعيزر غولدبرغ ولجنته. قبل أسبوعين فقط كان هذا هو المدعي العام العسكري الذي حظي بتذوق ما صدر من فم بينيت لأسباب مشابهة. بينيت وشكيد يريدان إزالة كل القانونيين من الطريق وأمراء سلطة القانون الذين يمكن أن يزعجوهما في استبدال الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل بيهودية استيطانية لا يشغل الشخص فيها ذهنه بمفاهيم يسارية مثل فصل السلطات وتوازنات وكوابح وسلطة القانون وحقوق الإنسان. نتنياهو واردان يوفران الوقود لبينيت وشكيد ـ والمفوضة ميري ريغف توفر الباقي ـ وهم جميعاً يريدون إحراق كل النادي.
كما تظهر الأمور الآن، هذا ما سيقف على جدول الأعمال في الانتخابات القادمة: مصير نتنياهو الشخصي سيتعلق بالحملة الدينية اليمينية لإنهاء كل تلك المؤسسات السيئة والمعادية التي تزعجهم، وأن يحكموا «كما يريدون»، والتي بالصدفة هي الأسس التي أنشئت عليها الديمقراطية الإسرائيلية الحديثة: ليس فقط محكمة العدل العليا ووزارة العدل والشرطة والمستشارون القانونيون للوزارات الحكومية ولجان التعيينات على أنواعها، بل الرئاسة والجيش وحتى الشباك أيضاً، تحولت إلى أشياء فظيعة عندما اقتضت الحاجة.
بهذا المعنى أيضاً، وربما بالأساس بهذا المعنى، لم يعد هناك شك بأن هذه ستكون حملة من حملات الانتخابات المصيرية التي عرفتها الدولة، نتائجها ستحدد إذا ما كان بلدوزر اليمين، من نتنياهو وحتى موتي يوغف، سيدمر ما تبقى من الديمقراطية المجيدة التي بنيت هنا ويقيم مكانها نظاماً سلطوياً وتطبيقاً للقانون الذي سيكون المطلب الأساسي منها هو أن تسمع صوت سادتها.

حيمي شليف
هآرتس 3/12/2018

قد يعجبك ايضا