الانسحاب الأمريكي من سوريا… لا شماتة بنتنياهو !

 

قولوا ما تشاؤون عن دونالد ترامب. أما في كل ما يتعلق بالتواجد العسكري الأمريكي في سوريا فهو منسجم تماماً. ترامب انعزالي: شعاره الانتخابي، «أمريكا أولاً»، استمده من الحركة التي كافحت ضد دخول الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية. حتى الحجج مشابهة. ايهود باراك قال عن إسرائيل إنها فيللا في غابة. وترامب يترجم هذا المفهوم إلى تعابير عالمية: الولايات المتحدة هي فيللا وباقي العالم هو غابة، وهذه الفيللا محوطة بملاعب غولف وكازينوهات. أما العالم فهو منقسم إلى قسمين ـ أعداء يمكن عقد الصفقات معهم وأصدقاء زائفين يعيشون على حساب أمريكا. منظومة التحالفات الدولية التي بناها أسلافه من على جانبي المحيط الأطلسي وجانبي المحيط الهادئ، هي مناورة خادعة على حساب أمريكا. يجب تفكيكها.
من ناحية إسرائيل، فإن الهوية الحزبية للرئيس الأمريكي، سواء كان جمهورياً أم ديمقراطيا هي مسألة ثانوية. فالمسألة المقررة هي هل يبدي مسؤولية عن مصير العالم أم يفر من المسؤولية. رئيس انعزالي سيسمح لحكومة إسرائيل بأن تستوطن في المناطق كما تشاء، ولكنه سيضعف قوة الولايات المتحدة في المنطقة. أما الرئيس المشارك فسيعمل كي يردع أعداء إسرائيل ولكنه سيلجم سياسة الضم الزاحف لحكومتها. ترامب من جهة واحدة، بوش الابن من الجهة المعاكسة؛ ترامب من جهة واحدة، هيلاري كلينتون من الجهة المعاكسة.
بسبب طبيعة إدارة ترامب الفوضوية، ليس واضحاً بعد إذا ما كان القرار بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا قابلاً للتغيير أم هو نهائي.. هل يتضمن القوات البرية فقط أم أعمال القصف من الجو أيضاً.. فوري التنفيذ أم رؤيا للمستقبل. فالإعلان الأمريكي يدعي أنه لم يسبق القرار عمل إعدادي. فليست إسرائيل وحدها هي التي تفاجأت ـ بل تفاجأ حتى كبار رجالات الإدارة المسؤولين عن الموضوع السوري. جيمس جيفري، الممثل الخاص للإدارة للموضوع السوري، ألقى في بداية الأسبوع خطاباً احتفالياً في المجلس الأطلسي في واشنطن العاصمة. فقد وعد بأن الولايات المتحدة لن تخرج من سوريا إلا بعد أن تهزم نهائياً قوات داعش، وفقط بعد أن تضمن خروج القوات التي تحت سيطرة إيران.
رد ترامب بتغريدة: «هزمنا داعش في سوريا، السبب الوحيد للتواجد «الأمريكي» هناك في أثناء رئاسة ترامب. في جملة قصيرة ـ 16 كلمة بالانجليزية ـ نجح في أن يخطئ مرتين: قوات داعش لم تهزم بعد، وحسب تصريحات ترامب السابقة فهي لم تكن السبب الوحيد. أما إيران فقد اختفت.
توجه تغريدة ترامب ضربة قاسية للقوات الكردية التي هي عملياً برعاية أمريكية. وهي ستنتقل، على نحو شبه مؤكد، إلى رعاية الأسد وإيران وروسيا، والا فسيبيدها أردوغان. وسيكون الهرب الأمريكي ملموساً أيضاً في العراق والأردن والسعودية. في إيران وروسيا ستملآن الفراغ الناشئ.
لقد كان التهديد الإيراني في مركز سياسة ترامب الخارجية. في هذه المسألة لم يغرد فحسب، بل فعل. فقد أخرج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض عقوبات جديدة على التجارة مع إيران، عقوبات فاقمت الأزمة الاقتصادية في الدولة. وتقلص ضخ المال لقوة القدس في سوريا ولحزب الله.
لقد نشأت شراكة مصالح مثيرة للاهتمام تربط إسرائيل، وروسيا، والأسد وإدارة ترامب. كل هذه الجهات تعمل كي تقيد النفوذ الإيراني في سوريا. إسرائيل تفعل هذا بطريقتها، بالعمليات العسكرية في ظل خفيض؛ روسيا تفعل هذا بطريقتها بإنزال إيران إلى مكانة شريك ثانوي وبالتسليم بجزء من العمليات الإسرائيلية؛ الأسد باحتواء العمليات المعادية في الأراضي السورية؛ والأمريكيون بعقوباتهم الاقتصادية.
لقد كانت خطة الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس، هي الانتشار مع 100 ألف مقاتل، معظمهم رجال ميليشيات مؤيدة لإيران، قرب الحدود في الجولان. أما الروس، وبالأساس هم، فقد أحبطوا الخطوة، وساهمت عمليات الجيش الإسرائيلي بدورها في ذلك، واضطر سليماني إلى تخفيف حجم القوات. حزب الله هو الآخر علق في أزمة مالية وأعاد جزءاً من مقاتليه إلى لبنان.
يستحق نتنياهو الحظوة على دوره في هذه الشراكة، على العمليات التي قام بها، وعن تلك التي امتنع عن القيام بها. ثمة من يدفع هرب ترامب من سوريا إلى الشماتة بنتنياهو. فهل أخطأ نتنياهو؟ هل كان ذلك أكثر نجاعة لإسرائيل؟ أنا لا أعتقد. إذا اخطأ في شيء فقد أخطأ في التزلف الزائد لترامب ولبوتين وفي ثقته الزائدة في قدرته على إدارتهما. الخطاب هو المشكلة، وليس الجوهر.
الانسحاب الأمريكي جيد لإيران. فهو يسمح لها، على الخريطة على الأقل، أن تحاول خلق جسر أقليمي من طهران حتى البحر المتوسط، ولكن سليماني لا يعمل في فراغ. ففضلاً عن الأعداء في الخارج، فإنه محوط بأعداء من الداخل. الرئيس روحاني يكافح في سبيل أولويات أخرى. سيده، الزعيم الأعلى خامينئي، مريض بسرطان البروستاتا، وهو لن يحكم إلى الأبد.
ما يحصل في واشنطن ينبغي أن يقلق إسرائيل بقدر لا يقل عما يحصل في سوريا. عن هذا قيل: فليحفظني الرب من أصدقائي، أما أعدائي فسأتدبرهم بنفسي.

ناحوم برنياع
يديعوت 21/12/2018

قد يعجبك ايضا