التّصابي وما شابه
بروين حبيب
يأسف بائعو الكتب لأن الكتاب دخل السوق مثله مثل أي مادة مستهلكة، وأصبح التّرويج له ضرورة من الضرورات القصوى، وإلاّ فلن يحظى بالقراءة. فالاستنكار الذي تمسّك به الناشرون العُتَّق لعملية التّرويج هذه، لم يعد يتمسّك به النّاشرون الجدد، خاصة من فهموا سحر المنصة الإلكترونية والفضاء الأزرق، وشِباك التواصل الاجتماعي ـ إن صحّ تسميتها بالشباك ـ التي تصطاد القارئ حيثما يكون.
في معارض الكتب هذه السنة، طفت على سطح مشهدنا الثقافي ظاهرة إقبال الشباب على القراءة، لكنها أشبه بدعوة لبقة ومغرية لاقتناء كتب مغايرة لأذواقنا نحن كهول الثقافة العربية. وجبة القراءة هذه المرة لا تتخطى سقف القصص الرومانسية الخفيفة، والكتب رخيصة الثمن، صغيرة الحجم، التي اجتهد الناشرون الجدد على جعلها في متناول الجميع، أغلفة برّاقة، تبرز العنوان أكثر من اسم الكاتب، ذلك أن الكُتَّاب الجدد يراهنون على المحتوى أكثر من الرهان على أسمائهم التي غطتها ظلال مشاهير الأدب على مدى ربع قرن وأكثر. أصبح اختراق عالم نجوم الأدب صعبا، كون أغلب المنابر الإعلامية والأدبية من مهرجانات وملتقيات حكرا لهم، ما جعل صناع الكتاب يمضون في «بيزنس» يطلق سُفنه في الفضاء الأزرق تاركا لأشرعتها حرية السفر لعوالم مختلفة عمّا ألفناه.
انزلق بعض الكتاب مباشرة إلى فخ الكتابة السطحية، مع مراعاة كل مقاييس التفاهة للبقاء في الواجهة. وهذا شيء مؤسف، حين تتزعزع ثقة كاتب بنفسه، فيتصابى ليلحق بالرّكب.
بدأت تأثيرات هذا الخط التسويقي الجديد تؤثر حتى على كبار الكُتَّاب، بعضهم انزلق مباشرة في فخ الكتابة السطحية، مع مراعاة كل مقاييس التفاهة للبقاء في الواجهة. وهذا شيء مؤسف، حين تتزعزع ثقة كاتب بنفسه، فيتصابى ليلحق بالرّكب. ما نعيشه اليوم، يخدعنا جميعا، لأننا لا نستطيع أن نبني عليه توقعاتنا، فمنذ عدة سنوات، ظننا أن التكنولوجيا عدوة للكتاب الورقي، حتّى أن المطابع ودور النشر والجرائد والمجلات توقعت كارثة تقضي عليها إلى الأبد، ولكن الذي حدث هو العكس تماما، فقد بقيت محرّكات المطابع تعمل، لحاجة النّاس لدليل ورقي دائما، لنشاطاتهم. لم يعد مقبولا أن توجه دعوة زفاف إلكترونيا للمدعوين، إذ يجب أن تكون من الورق الفاخر، وقد سهر على تصميمها مبدع يتفنن في اختيار نوع الخط، ونوع الزخرفة التي تزينها، قبل أن توضع في ظرف جذاب، وتوزع يدا بيد، لتكتمل واجبات الدعوة، وهذا ما يفعله كل شخص يحتفي بمناسبة أخرى، أمّا الكتاب فلم يستنجد بهذا النوع من الدعوات إلا في العشرين سنة الأخيرة، حين أصبح البيع بالإهداء حيلة لاسترجاع ثمن الطباعة على الأقل.
أقول حيلة لأن المدعو لحفل توقيع يقتني الكتاب لا لقراءته، بل لمجاملة المؤلف، إنّه طقس مفرغ تماما من روح الرغبة في القراءة، أو لنقل أنه طقس اجتماعي لا غير، يخرج منه الكاتب بأقل الخسائر المادية والمعنوية، وخيبات الأمل التي تلاحقه أمام الظروف الصعبة التي ضرّت بالكتاب.
الذي حدث هذا العام، هو أن الدور التي اعتمدت طرقا متميزة لدعوة القارئ نجحت أكثر، إنّها لا تحرج أحدا من أجل اقتناء كتاب، فهي تكتفي بما قل ودلّ من العبارات الجميلة للإخبار عن محتوى الكتاب، مع صورة لغلافه، وكفى! يذهب القارئ بعدها مدفوعا بفضوله إلى الحكاية سعيدا باقتنائها.
ولأنّ الفئة الشبابية هي الأقوى حضورا في عالمنا العربي، فإن هذه الفورة الثقافية تبدأ من الصفر على ما يبدو، وكأنّنا ندخل عصرا جديدا، ليس فقط حسب المعطى السياسي الذي ولّد حدودا جديدة بين شعوبنا، وحساسيات فكّكت الكثير من الرّوابط القديمة، بل إن المعطى الثقافي أيضا صنع شروخه العميقة بين هذه الفئات الشابّة، حسب توجهات القراءة الرّقمية، المغايرة تماما للقراءة الكلاسيكية. ما يقرأه الشباب اليوم متوفر عبر مواقع معينة، إنهم يعشقون ويكيبيديا مثلا، ويأخذون معلومات كثيرة منها لملء نصوصهم الإبداعية، بدون أن يشعروا بأن ذلك نوع من السرقة، فكل ما هو متاح لهم، يعتبرونه ملكا للعامة، ويستخدمونه بدون ذكر للمصدر، يحبذون المقولات القصيرة، ويحفظونها أحيانا، معتقدين أنها ملخصات تختصر قائليها، يميلون إلى اقتناء ما يريدون حسب الإعلانات، لهذا أُدرِج الكتاب في المادة الترويجية التي توجه عبر الهواتف الذكية. وهي الآلات العجيبة التي تجمع الناس اليوم وتوحدهم أكثر من الدين واللغة والحدود الجغرافية، إذ من بين عشرة مواطنين نجد الربع أو أقل منه متمسكا بانتماءاته الكلاسيكية، أمّا البقية فقد تحررت تماما من كل تلك القيود القديمة، وفي الغالب فإن الربع المتمسك بانتماءاته قطع مسافة عمرية لا بأس بها منفصلا عن الأجيال الجديدة، وهذا ما شكّل حاجزا كبيرا بينهم. هناك هوّة كبيرة بين أبناء التكنولوجيا، وأبناء الزمن الهادئ، حيث أمور الحياة كلها تمشي ببطء. يحتاج الكاتب اليوم أن يخبر النّاس ماذا يأكل، وماذا يرتدي، وماذا يشاهد، ومن هم أصدقاؤه، وأين يقضي عطلته.. القارئ لا يأبه بنصه إن كان جيدا، محبوكا بلغة جميلة وصحيحة، بقدر ما يهمه أن يرى كاتبه أحيانا بالبيجاما، وأحيانا ببدلة أنيقة، وأحيانا يلوّح له من عواصم مختلفة عبر إنستغرام أو فيسبوك. الكاتب مطالب ليقدّم صورة مدهشة عن نفسه، ويؤكد يوميا لقرائه أنه مختلف عنهم، وقريب منهم في الوقت نفسه، أكثر من ذلك هو يتعالى على قُرّائه بما يعرفه ولا يعرفونه، وهم في مخيلة مراهقة يندهشون ويمضون خلفه.
في الزمن الجميل كان المبتدئ يقلّد الكاتب الكبير ليحظى بمكانته، لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب اليوم، إنّه التّصابي بعينه، والمراهقة المتأخرة، والطيش الأدبي إن صح التعبير.
أمّا الخلوة التي كان يحتاجها الكاتب في أزمان مضت، فليست ضرورية لكاتب اليوم، هو يكتب في قلب الصخب اليومي، في الشوارع، والمقاهي، والأسواق، يحمل هاتفه الذكي ويفاجئ متابعيه بصوره المتحرّكة، بسعادته الوهمية، وبكماله واكتماله، وبعض الكلمات التي لا يبذل جهدا لإيجادها، وهذا كل شيء.. لا بأس أيضا من نشر بعض السخافات، كأن تصور كاتبة ظفرها المكسور، وتكتب مع الصورة كلمة « آخ» وتطلق الخبر وكأنه سبق صحافي ينتظره الجميع. التفاعل مع هذه الـ»آخ» قد يكون أسطوريا، ولن يفهم كهل في عقده الخامس أو السّادس ما المثير في تلك الـ»آخ» سوى أنّها صادرة عن كاتبة تتأوّه بسبب إصبع الإغراء المصاب بكسر طفيف في الظفر.. نتحدث هنا عن كُتاب ولدوا البارحة، وعن آخرين في خريف العمر فهموا اللعبة وساروا على خطاهم، في سابقة لم نشهدها من قبل، ففي الزمن الجميل كان المبتدئ يقلّد الكاتب الكبير ليحظى بمكانته، لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب اليوم، إنّه التّصابي بعينه، والمراهقة المتأخرة، والطيش الأدبي إن صح التعبير.
نعم، في الزمن الأزرق حدثت المعجزة، وأصبح الإقبال على الكتاب ظاهرة لافتة للنظر، لكنها ظاهرة خالية من النُّضج، وحتى لا أكون متشائمة في رأيي، سأقول إنها ستنضج لاحقا، حين تكبر هذه الكائنات الزرقاء التي تقرأ بهرموناتها لا بعقولها.. وحتى لا أكون مجحفة، سأقول إن الترويج للكتاب ضروري وممكن، ولكنّه لا يحتاج لهذا الكم من الرّكاكة لجعله مطلوبا. وطبعا بإمكان الكاتب دائما أن يتقاسم بعض خصوصياته مع قارئه، لكن بدون مبالغات، وأعتقد أنه من الظلم أن نتعاطى مع القارئ على أنه مستهلك غبي، ومن الغباء أن ننزلق في التفاهة لنصبح كتابا مشهورين. فالأدب كان وسيظل دائما أدب الكلمة والأخلاق.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين