مصالح واشنطن أولاً
لقد كان التواجد الأمريكي في سوريا منذ البداية رمزياً ومحصوراً في شرق الدولة. وهو لم ينقذ حتى ولا مواطن سوري واحد من مصيره المر، ولم يمنع وصول الروس والإيرانيين وانتصارهم في المعركة ضد الثوار. عندما عملت إسرائيل مؤخراً ضد التواجد الإيراني هناك، اشتكت مصادر في واشنطن من أن هذا العمل في شرق سوريا يعرض للخطر القوات الأمريكية في المنطقة.
ومع ذلك، وفي جانب الوعي، كان للتواجد الأمريكي في سوريا أهمية، إذ كان فيه ما يردع ويلجم الإيرانيين الذين خافوا من الأمريكيين وامتنعوا عن شد الحبل. أما ترك الولايات المتحدة لسوريا فهي مثابة تشجيع لإيران لتصعيد تدخلها في العراق وسوريا ولبنان. الانسحاب الأمريكي كفيل بأن يصعد عدم الاستقرار في المنطقة ويؤدي إلى حرب الكل ضد الكل ـ تركيا، والأكراد، وإيران وسوريا، وبالطبع إيران حيال إسرائيل والدول العربية المعتدلة.
مثل إيهود باراك الذي قرر إخراج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، وكذا إخراج دونالد ترامب القوات الأمريكية من سوريا بداية السنة القادمة، كفيل بأن يدخل إلى كتب التاريخ كمن «هرب» من أمام الإيرانيين، وهكذا توج بشار الأسد حاكماً لسوريا، وإيران كمسيطرة في الهلال الخصيب، وروسيا كقوة عظمى رائدة، وعملياً وحيدة، في الشرق الأوسط. لا يدور الحديث عن ترامب الشخص ونزواته، فالرئيس الأمريكي يقول صراحة، بل وبفظاظة، ما يفكر به معظم الأمريكيين. وفي كل ما يتعلق بالمسألة السورية، يتبين أنه لا فرق بينه وبين إدارة أوباما.
ظهور داعش وإمكانية مهاجمة أمريكا من قواعده في سوريا ـ مثلما فعلت القاعدة من أفغانستان في أيلول 2001 ـ هو الذي أجبر الأمريكيين على إرسال القوات إلى سوريا، وليس لوقف الهيمنة الإيرانية أو مساعدة الشعب السوري.
وبخلاف أفغانستان، أو اجتياح العراق، وجد هذه المرة للأمريكيين «إمعات» محليين تجندوا للقتال نيابة عنهم. وهكذا، بدلاً من إرسال مئات آلاف الجنود إلى سوريا وتبذير مليارات الدولارات، جند الأمريكيون إلى جانبهم الشيعة في العراق والأكراد في سوريا، ممن تحملوا أساس عبء القتال ضد داعش. والآن بقدر ما يتعلق الأمر بالأكراد، فقد استعملهم الأمريكيون وألقوا بهم. القوة العظمى تستخدم حلفاءها عندما تخدم الأمور مصالحها، ولكنها في الغالب تتركهم لمصيرهم عندما لا تكون لهم حاجة بهم. الولايات المتحدة صديقة وحليفة أولى لإسرائيل، ولكن حتى لهذه الصداقة ثمة قيود واضحة، فمن الصعب مثلاً الافتراض بأن واشنطن ستكون مستعدة حقاً لأن تبعث بالقوات ليقاتلوا إلى جانب إسرائيل إلا إذا كانت هناك مصلحة أمريكية.
نقطة نور معينة هي استعداد موسكو لأخذ المسؤولية. فروسيا ليست عدواً لإسرائيل، حتى وإن هي في تحالف مع إيران وبشار الأسد. ومع ذلك فالروس مستعدون لأن يعملوا للحفاظ على الاستقرار في المنطقة، وعملياً هم يفعلون أكثر مما فعل الأمريكيون. وفي كل الأحوال، هذه حالياً هي اللعبة الوحيدة في المدينة.
إن العالم الذي نعيش فيه هو عالم متهكم، بل ووحشي. لا أمل أو احتمال لمن ليس قوياً بما يكفي للدفاع عن نفسه. خير أن يفهم الأمر في إسرائيل، ولا سيما الآن، حين «تهرب» الولايات المتحدة من سوريا.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 23/12/2018