شاي على الرّصيف
لانا مامكج
اضطررتُ قبل سنوات للمرور على أحد المحلاّت المُتخصّصة بكهرباء السيّارات لإصلاحٍ خللٍ عابر في الرّاديو، فاستقبلني أحدُ الصّبية هناك، وبدأ يسألني عن تفاصيل المشكلة بجديّةِ خبيرٍ، ثمَّ بدأ العمل، فوقفتُ قربه مليئةً بإلاعجاب والحنوّ على مخلوقٍ شاء أن يدخلَ سوقَ العمل مبكّراً، معاهدةً نفسي على أن أجزلَ له مكافأةً تليقُ باجتهاده. عزمتُ على ذلك وأنا أحسبُ أنَّ الموضوعَ لن يتحمّلَ أكثرَ من عشر دقائق، هذا ما أوحتُه لي ثقافتي المتواضعة في شؤون الكهرباء، وهذا ما قرأتُه في عينيّ الخبير الصّغير المتوقّد نشاطاً وحيوية.
داعبَ الجهازَ قليلاً، ثمَّ قام بفكِّ السمّاعات الخلفيّة، فعبثَ بها قليلاً أيضاً، ليُقرّرَ، فجأةً، إخراجَ الرّاديو من مكانِه كاملاً، هنا صحوتُ من دهشتي على قرقعةٍ غريبة، تبعتها سحابةٌ من دخان أبيضَ عرفتُ، رغم خبرتي البائسة إيّاها في الكهرباء، أنّها نتجت عن تماسٍّ كهربائي في الأسلاك، تلك التي كان يقطعُ بعضَها، ثمَّ ليُعيدَ وصلَها بأخرى، وهكذا إلى أن مرّت ساعةٌ من الزّمن، اكتفيتُ أنا خلالها بالجلوسِ مستسلمةً للأقدار، مُكتفيةً بوضعِ يدي على خدّي بدون اعتراض، وبدون إبداء أيّ تعليق!
وهكذا إلى أن أقبلَ رجلٌ ضخم، عرفتُ من هيئته أنّه صاحبُ المحل، فوقفَ قربَ الصّبيّ لثوانٍ ليُقرّرَ بعدها أنَّ الأمرَ بحاجةٍ إلى تدخّلٍ سريع، هنا، كدتُ أقفزُ من الفرح، متفائلةً بقرب الفرج، خاصّةً أنني كنتُ قد بدأتُ أشعرُ بالتّعب والملل، كما كان المساءُ قد حلّ، وبدأ أصحابُ المحلاّت المجاورة يتجمّعون في الخارج، وفي أيديهم أكوابُ شايّ ساخن، بدا لي في تلك الّلحظة، شهيّاً جدّاً، فرمقتهم وهم يتوزّعون كراسي القشّ الصّغيرة، فيجلسون ليتبادلوا الأحاديث والأخبارَ والضّحكات المرحة، كأنّما ينفضون بها تعبَ النّهارِ كلّه!
لأصحوَ على مرورِ نصفِ ساعةٍ أخرى، والراديو ما زال مسفوحاً بين يديّ الخبيرين؛ الصّغير والكبير، فيما بقيتُ أنا في مكاني أقاومُ رغبةً ما في البكاء بصوتٍ عالٍ كطفلة! كنتُ قد نقمتُ لحظتها على كوني امرأة، فلو كنتُ رجلاً، لما احتجتُ، ربّما، إلى مساعدة، فالرّجالُ لديهم خبرةٌ معيّنة في مثل تلك الأمور، والرّجلُ يتدخّلُ عادةً في شؤون التصليح إن احتاجها، وقد ينهرُ الصّبيّ، ويمضي إلى محلٍّ آخر ببساطة، ولو كنتُ رجلاً في تلك الّلحظة، لكنتُ سأضعُ يدي في جيبي وأتوجّه بثقة إلى حيثُ يجلسُ محتسو الشّاي فأشاركهم تلك المتعة الرّائعة، بدل الوقوف مكاني ببلاهة كتمثالٍ حزين. صحوتُ من هواجسي على صوتِ المعلّمُ أخيراً وهو يزفُّ لي خبرَ تصليح الرّاديو معتذراً عن الخطأ وعن التّأخير ليقولَ كلاماً لم أفهمه، فحاسبته ومضيت بدون أن أنبسَ بكلمة.
في البيت، اضطررتُ لتبرير سبب تأخري للعائلة، وفيما كنتُ أهمُّ بسردِ الأحداث ببراءة، ارتفعت أصواتُ الّرجال باعتراضات مستهجنة لاذعة قاسية كان مفادها أنني امرأة، ولا يجوز لسيّدة أن تقومَ بمثلِ هذه التّصرفات وحدَها، وبأنّني كنتُ ضحيّةً ساذجة بالمبلغ الذي دفعته، ولماذا لم أستعن بأحدهم، ولماذا أقحمُ نفسي في شؤون الأشاوس الصّناديد، ولم تنفع معهم دوافعي وأسبابي التي اختلقتُ بعضها لأوقفَ حملةَ التّوبيخ الرّجولي الشّرس عليّ. من يومها، وأنا أبتسمُ كلّما أثارت بعضُ المنافِحات عن قضيّة المرأة موضوع « المساواة «. والأهمُّ من ذلك، هو أنني من يومها وأنا أسألُ نفسي: ماذا كان قد حصل؟ أيُّ مصيبةٍ على هذا الكوكب التّعس كان يمكن أن تقع لو أنّي تجرّأتُ وانضممتُ لأصحاب المحلاّت المجاورة لأجلس على كرسي القشّ الجميل وأستمتعَ باحتساء الشّاي معهم على الرّصيف، هذا الذي ما أزالُ نادمةً عليه حتى يومنا هذا.
٭ كاتبة أردنية