حين يحطم أبو مازن القواعد: لا دولة بدون القدس وغزة
بعد صيف أسود من الحرائق التي لا تتوقف، يتفتح الجنوب مرة أخرى بشقائق النعمان. غير أنه إلى جانب المناظر الطبيعية الرائعة، تعود أيضاً «التنقيطات»: صافرات الإنذار، والمقذوفات الصاروخية في عسقلان وفي حقول النقب، أو طائرة صغيرة متفجرة تحمل 80 بالوناً. كما أن مسيرات العودة على الجدار ترتدي بالتدريج ذات النمط العاصف والعنيف الذي كان قبل بضعة أشهر. في آخر واحدة منها، يوم الجمعة الماضي، ازداد عدد المتظاهرين بخمسة آلاف، ومرة أخرى ألقيت قنابل يدوية وعبوات ناسفة نحو جنود الجيش الإسرائيلي.
المسيرة رقم 43، المتوقعة اليوم، يصفها الجيش الإسرائيلي كحدث مفصلي آخر يبين إلى أين تسير الأمور. ولكن بشكل مفاجئ فإن المسبب لما يبدو كانهيار تدريجي لآخر التفاهمات بين إسرائيل وحماس يرتبط هذه المرة بقدر أقل بإسرائيل وحماس اللتين من مصلحتهما الهدوء والتهدئة.. يرتبط بأبو مازن بالذات. فقد صاغ مصدر استخباري استعرض الأوضاع أمام الوزراء هذا الأسبوع الدوافع خلف سلوك حماس في الساحة الجنوبية على النحو التالي: «هو 80 في المئة ونحن 20 في المئة».
فهم الوزراء على الفور. وها هو إيضاح للقراء أيضاً: أبو مازن يمارس ضغطاً اقتصادياً ثقيلا على حماس في غزة كي ينزع سلاحها، وينقل له السيطرة في القطاع. أما حماس فتختار الرد بتصعيد منضبط حيال إسرائيل. الطرفان في النزاع التاريخي الفلسطيني الداخلي يتوقعان أن تقوم إسرائيل بالعمل نيابة عنهما. حماس تعتقد أن إسرائيل، مع مساعدة من مصر، قادرة على الضغط على أبو مازن كي يستأنف ضخ أموال السلطة الفلسطينية إلى القطاع. وبالمقابل كان يسر أبو مازن لو أن إسرائيل «تقوم بالعمل نيابة عنه» فتسقط حكم حماس في غزة. الطرفان يقرران شد الحبل الآن بالذات عشية الانتخابات في إسرائيل، وفي الأيام التي يدخل فيها رئيس أركان جديد إلى منصبه. الفريق أفيف كوخافي يعرف منذ الآن (مثل أسلافه) بأن الساحة الجنوبية بالذات، التي تأتي في إسرائيل في آخر سلم الخطورة (بعد إيران؛ حزب الله والضفة) هي الأكثر اشتعالاً وتفجراً.
هذه الأيام هي أيام إزالة الأقنعة في الجنوب، على الأقل من الجانب الفلسطيني. فالاحتواء الإسرائيلي لحكم حماس في القطاع، بما في ذلك تنقيطات الصواريخ التي استؤنفت، سيئ لأبو مازن. وقد قال ذلك صراحة للرئيس المصري السيسي، ولكنه اكتشف لخيبة أمله بأن السيسي، الذي يقاتل بقايا داعش في شمال سيناء «مدين» لحماس بعد أن استجابت هذه لطلبه وكفت عن مساعدة تنظيم الدولة الإسلامية. فأعلن أبو مازن خائب الأمل للسيسي بأن ستتوقف تلك الأموال القليلة التي تحولها السلطة الفلسطينية إلى غزة، 96 مليون دولار في الشهر، عن الوصول إلى هناك. وأوضح أبو مازن للسيسي قائلاً: «لست مستعداً لتمويل من يتآمر على إسقاطي في الضفة».
مسألة الـ 15 مليون دولار
مقابل «طلاق» أبو مازن، اختارت حماس بأن ترد استئناف تنقيطات الصواريخ في الجنوب، وبالتصعيد المتجدد للأحداث على الجدار. قادة المنظمة يوضحون لمصر بأنهم يتوقعون من إسرائيل أن تمارس نفوذها الكبير على أبو مازن ـ الذي يتعلق حكمه بها ـ وبالمقابل يعدون بالهدوء المتجدد. ليس واضحاً حتى متى.
بين هذين الضغطين المتناقضين تختار إسرائيل مواصلة السير بين القطرات. فالرد العسكري على الاستفزازات المحدودة لحماس يبقى طفيفاً. ومع ذلك، تؤخر إسرائيل حالياً تنفيذ النبضة المالية الثالثة التي اتفق عليها في إطار التفاهمات الأخيرة مع حماس. وهي تتلبث في تحويل 15 مليون دولار آخر، المال القطري المخصص لدفع رواتب موظفي حماس. في المرة السابقة التي سمحت فيها إسرائيل بتحويل المال القطري لحماس، أثار الأمر انتقاداً شديداً في الرأي العام الإسرائيلي. والآن، في موسم الانتخابات، فإن هذه النبضة أصعب على إسرائيل بكثير. رغم ذلك لم تتراجع الحكومة عن استعدادها المبدئي لتحويل الأموال ولكنها تطلب أولاً التأكد من أن «التنقيطات» تتوقف، وأن تخف حدة المسيرات على الجدار وألا تتصاعد مثلما تهدد حماس علناً.
«ما الذي يمر على أبو مازن؟ لماذا يدفع حماس نحو مواجهة مع إسرائيل؟» سأل أحد الوزراء في هذا الأسبوع. وبالفعل، فإن التحول في الساحة الجنوبية يجسد أكثر من أي شيء آخر ما نسب لأبو مازن نفسه. فخصومته الشديدة مع حماس أخرجت منه كلمات في وضعية أخرى يمكن أن تنسب بسهولة لافيغدور ليبرمان أو لنفتالي بينيت. فقد انتقد أبو مازن رقة نتنياهو تجاه حماس وقال لمقربيه بهذه الكلمات تماماً: «نتنياهو يدفع لحماس في غزة التي تنفذ عمليات في الضفة». ووصف مقربو رئيس السلطة مزاجه لحماس بكلمات «إما كل شيء أو لا شيء». لقد وصلت الأمور لدرجة أن عزام الأحمد، المسؤول عن ملف المصالحة الفلسطينية في السلطة، أوضح بأنه في ضوء الوضع في غزة، تفكر السلطة بالإعلان عن غزة كإقليم متمرد، مما سيؤدي إلى وقف كل أنواع المساعدة وتجميد أموال حماس ومنظماته الفرعية في البنوك الفلسطينية والعربية.
موظف أمريكي كبير قال هذا الأسبوع عن سلوك أبو مازن إنه إذا كان الرئيس العجوز الذي هو في أواخر أيام حياته قلق على الشكل الذي سيسجل في صفحات التاريخ، يوظف نصف الطاقة التي يوظفها فقط في صراعه ضد حماس على محاولة إحياء المسيرة السياسية مع إسرائيل لكان الواقع تغير في المنطقة. غير أن أبو مازن يفكر الآن بطريقة أخرى. فهو مغتاظ من اعتراف إسرائيل بحماس بشكل غير مباشر، إذ تحمي مكانتها وتحول لها الأموال. «أنتم تقيمون لحماس دولة في غزة فيما تبقون لنا حكماً ذاتياً في الضفة»، هكذا يقول المرة تلو الأخرى في محادثاته مع الإسرائيليين. وفي لقاءات غير رسمية يقول علناً إنه كان يسره لو أن إسرائيل تقضي على حكم حماس، وفي زيارته الأخيرة إلى مصر قال حتى لمضيفيه إن حكم حماس في غزة يجب أن ينتهي.
يعيش أبو مازن نفسه في مصاعب اقتصادية كبيرة، عقب رفضه الانخراط في «صفقة القرن» لترامب. فهو يرفض لقاء المبعوثين الأمريكيين الذين يحاولون التحدث معه. وعندما نقل إليه مؤخراً اقتراح للموافقة على عاصمة فلسطينية في أحياء شرق مقدسية كأبو ديس وقلنديا وشعفاط، قال بسرعة: يضحكون علينا. لا أبو ديس ولا قلنديا، بل القدس الشرقية التي احتلت حتى آخر سنتيمتر. لا دولة بدون القدس الشرقية كلها ولا دولة بدون غزة»….
أما التقليصات الأمريكية في المساعدات لوكالة الغوث والسلطة الفلسطينية فلا تسهل عليه، ورداً على ذلك يحطم أبو مازن مرة تلو الأخرى القواعد حيال حماس. ففي آذار الماضي كان رئيس السلطة أعلن عن تقليص مساعداته لحماس. وفي اللقاء الأخير مع الرئيس المصري السيسي، أوضح أبو مازن بأن قريباً سيوقف تحويل مساعداته المالية للقطاع بمبلغ 96 مليون دولار في الشهر، بل وطلب من مصر الحرص على أن تتوقف المساعدة القطرية لحماس. فأجيب بالسلب.
رافعة ضغط ناجعة
قبل نحو أسبوع أخرج أبو مازن رجال السلطة من معبر الحدود في رفح، المخرج الوحيد لسكان غزة. وكان موظفو السلطة قد أرسلوا إلى هناك في إطار ما وصف حتى وقت قصير مضى «بالمصالحة» بين السلطة وحماس. فسارعت حماس إلى إرسال رجالها، ولكن لما كانت مصر غير مستعدة لأن يكون رجال حماس في المعبر، أصبحت الحركة هناك باتجاه واحد، من مصر إلى غزة فقط وليس العكس.
وإلى جانب ذلك، شرعت أجهزة أمن السلطة في حملة اعتقالات واسعة لنشطاء حماس، وبالتوازي قررت المحكمة العليا في السلطة حل المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لحماس أغلبية فيه. وكان المجلس انتخب في المرة الأخيرة قبل 13 سنة، وهو غير فاعل منذ سنوات طويلة.
لا تجلس حماس مكتوفة الأيدي؛ فقد اعتقل رجالها نحو 400 نشيط من فتح في القطاع، وقام مجهولون بإحداث ضرر شديد لمكاتب تلفزيون السلطة في غزة. ويصف زعماؤها إغلاق معبر رفح ـ الإنجاز الأكبر لحماس في أعقاب مسيرات العودة العنيفة ـ بأنه «تحطيم للقواعد». وهم يوضحون بأن هذه خطوة إلى الوراء ستستدعي العودة إلى تشديد الاحتجاج الشعبي والمظاهرات على الجدار.
عملياً، تبتز حماس إسرائيل كي تخلق ضغطاً مضاداً على أبو مازن. وردود الفعل العسكرية المحدودة لإسرائيل ـ القصف من الجو لأهداف حماسية غير مأهولة ـ ليست مؤثرة عليها حالياً. وشرح المؤرخ والباحث يوني بن مناحم هذا الأسبوع بأن معنى إعلان غزة إقليماً متمرداً كما يهدد رجال أبو مازن كفيل بأن يكون بعيد الأثر وبالغ المغزى.
يوضح بن مناحم فيقول إن «إعلان السلطة عن غزة كإقليم متمرد سيجر وراءه وقفاً لكل أنواع المساعدات للقطاع، ورفع طلب للجامعة العربية والأمم المتحدة للتعاطي مع حماس كمنظمة غير قانونية، وتجميد أموال الحركة ومؤسساتها في البنوك الفلسطينية والعربية، ومطالبة المؤسسات الاقتصادية والبنوك العاملة في القطاع بتركها فوراً، ووقف دفع الرواتب لموظفي السلطة وإخراجهم على التقاعد المبكر ووقف المساعدات المالية في مجالات الكهرباء والماء»، ناهيك عن «إغلاق مؤسسات حماس في الضفة، واعتقال نشطائها ومصادرة أملاكها هناك». إذا ما تحقق السيناريو الذي يرسمه بن مناحم ولا يتبقى مثابة تهديد فقط، فهذه لا تقل عن «حرب عالمية» للسلطة وأبو مازن ضد حماس.
على خطوات أولية فقط بهذه الروح ردت حماس تجاه إسرائيل بالتصعيد. وخطوات أخرى من أبو مازن في هذا الاتجاه من شأنها أن تولد تصعيداً آخر. لقد أثبتت حماس بأنها لا تتردد في استخدام إسرائيل كرافعة ضغط على أبو مازن. بل ودعت قيادة مسيرات العودة أبو مازن إلى التراجع عن خطوة إخلاء الموظفين من معبر رفح واإعادة فتح المعبر الذي يشكل رئة لـ 2.3 مليون فلسطيني في القطاع، وإلا ستعود كل مظاهر الاحتجاج الشعبي وسيتفجر الوضع. وبالتوازي طرحت حماس مشروع حل وسط لمصر: إدارة المعبر من خلال لجنة تشارك فيها كل الفصائل. أما أبو مازن فيرفض هذا حالياً ويطالب بنقل كل صلاحيات الحكم في غزة إلى الحكومة في رام الله.
تؤثر الانتخابات في إسرائيل على «اللاعبين». نتنياهو وحكومته غير معنيين بالتصعيد في الجنوب، ولكنهم يوضحون بأنه إذا لم يكن هناك مفر، فإنهم لن يحتملوا إهانة أخرى مثل إطلاق 460 صاروخًا على إسرائيل في تشرين الثاني الماضي. أما حماس نفسها فتفضل إعادة بناء نفسها، ولهذا فإن الهدوء مهم لها. أبو مازن يحاول دفع الطرفين إلى مواجهة أخرى والاستفادة منها. أما مساهمة ترامب بتهدئة الساحة فتكمن في تأخير عرض صفقة القرن إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل كي لا يمس بنتنياهو وبفرص إعادة انتخابه. يعيش أبو مازن في حالة «إما كل شيء أو لا شيء»، يهدد بالإعلان عن غزة كـ «إقليم متمرد»: «نتنياهو يدفع لحماس في غزة التي تنفذ العمليات في الضفة». وحماس تهدد إذا لم يفتح معبر رفح «كل شيء سيتفجر».
نداف شرغاي
إسرائيل اليوم 18/1/2019