الجيش الإسرائيلي يهاجم سلسلة أهداف إيرانية رداً على نار الصاروخ
المواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا تعود إلى غيار عال، هذا هو معنى أحداث اليوم الأخير على الحدود السورية: هجوم جوي في منطقة دمشق، وإطلاق نار استثنائي لصاروخ أرض ـ أرض من الأراضي السورية نحو أراضي إسرائيل والذي تم اعتراضه بواسطة القبة الحديدية، وفي أعقاب ذلك قصف لسلاح الجو لعدة أهداف تعود لحرس الثورة الإيراني في سوريا.
التطورات الأخيرة تلقي ظلالاً من الشك على الرضى الذاتي للقيادة الإسرائيلية التي تفاخرت بإنجازاتها في الصراع ضد إيران في سوريا. الجيش الإسرائيلي سجل بالفعل إنجازات غير قليلة في جهوده لصد التمركز العسكري الإيراني في سوريا وتهريب السلاح عبر الأراضي السورية من إيران لحزب الله في لبنان. قائد قوة القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، خطط كما يبدو تقدماً أسرع كثيراً لخطواته في سوريا التي تم التشويش عليها بسبب النشاطات الإسرائيلية.
لكن هذه القصة بعيدة عن النهاية. خلافاً للانطباع الخاطئ الذي يمكن أن يتولد من المقالات في وسائل الإعلام والتصريحات في الأسابيع الأخيرة، يبدو أن الجنرال المخضرم الذي يحارب إسرائيل منذ عشرات السنين لم يتخل عن جهوده. بعد المواجهة الأخيرة بين الطرفين في أيار السنة الماضية، التي خرج منها الإيرانيون مصابين، أعاد سليماني من جديد حساب خطواته وانتظر الوقت المناسب لاستئناف الحرب.
الصراع يتركز الآن على قواعد اللعب في الساحة الشمالية، مع ترسخ سيطرة نظام الأسد في سوريا. إيران تريد مواصلة تهريب السلاح إلى جانب إقامة قواعد وأنظمة قتالية في سوريا؛ إسرائيل تريد منع ذلك. الحقيقة الشاذة بأنه تم إطلاق صاروخ أرض ـ أرض بمدى متوسط من سوريا لا تدل على أن إيران هي التي تقود الحرب، لكن هذه الحقيقة توضح أن المواجهة بين الطرفين بعيدة عن نهايتها.
كل ذلك كان كما يبدو سيحدث على كل الأحوال، لكن قد تكون التصريحات الإسرائيلية الأخيرة سرعت العملية بدرجة ما. لقد بدأ ذلك بأقوال رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت حول آلاف الأهداف التي هاجمها سلاح الجو في السنوات الأخيرة واستمر بقرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتحمل المسؤولية العلنية عن الهجوم الذي وقع في منطقة دمشق قبل عشرة أيام. في المستويات المهنية لم يكونوا شركاء في قرار خرق سياسة الغموض ولم يتحمسوا لها.
الجيش الإسرائيلي وبإعلان رسمي ألقى المسؤولية المباشرة عن إطلاق الصاروخ، من إنتاج إيراني، على حرس الثورة الإيراني الذي شغله. ورداً على ذلك تم قصف عدة مواقع عسكرية مرتبطة بالإيرانيين: مخازن للسلاح، ومعسكر تدريب، ومعسكر للمخابرات، في محيط دمشق. وعدد من بطاريات دفاع جوي سورية قصفت وأصيبت بعد أن أطلقت الصواريخ على طائرات سلاح الجو الإسرائيلي. أعلنت روسيا هذا الصباح قتل أربعة جنود سوريين في الهجوم، وحسب تقارير غير رسمية من سوريا، قتل في الهجوم سوريان وتسعة أجانب. إذا كان الحديث يدور عن إيرانيين فإن هذا الأمر سيزيد التوتر.
هجوم إسرائيل عاد وكشف الوعود الكاذبة التي نشرتها موسكو قبل نصف سنة فقط. في حينه، حول إعادة احتلال هضبة الجولان السورية من قبل قوات الأسد، تعهدت روسيا لإسرائيل، مقابل عدم التدخل لصالح المتمردين، بأبعاد القوات الإيرانية إلى مسافة كبيرة عن الحدود (تم إعطاء بيانات مختلفة: من 60 ـ 70 كم أو حتى 100 كم). عملياً تبين بعد ذلك أن الروس لا يشملون في تعهدهم منطقة دمشق العاصمة. وحتى في الجولان فإن الإيرانيين لا يطبقون التفاهمات التي تم التوصل إليها معهم. عندما عاد نظام الأسد إلى جنوب سوريا عرضت حكومة إسرائيل الاتفاق مع روسيا كإنجاز كبير. الآن بسبب ما، هناك صمت حول هذا الأمر.
في وسائل الإعلام يكثرون الحديث عن التصعيد في الشمال باعتباره الاختبار العملي الأول لرئيس الأركان الجديد افيف كوخافي، لكن الأكثر أهمية من ذلك هو دور رئيس الحكومة. نتنياهو تقدم نحو هذا التحدي وهو على رأس حكومة لا تعمل تقريباً، حيث إن الأحزاب الأعضاء فيها تتشاجر فيما بينها حول الحملة الانتخابية. هو يشغل بصورة متوازية منصب رئيس الحكومة ووزير الخارجية ووزير الدفاع، ولم يبق له تقريباً وزير يستطيع التشاور معه والاعتماد عليه. وفوق كل ذلك، فإن الانتخابات القريبة يحوم فوقها خطر لوائح الاتهام ضده والمواجهة المكشوفة مع المستشار القانوني للحكومة. هذه الظروف بعيدة عن أن تكون ظروفاً مثالية من أجل أن يدير أزمة أمنية شديدة فيها.
الهجوم الواسع في الليلة الماضية لا يبشر بالحرب التي يبدو أن إيران لا تريدها. أحد الأسباب الرئيسية لفشل سليماني في الربيع الماضي هو عدم تقدير القدرة الإسرائيلية. يبدو أن إيران لم تفهم في حينه بصورة كافية أن نقل المعركة قريباً من الحدود مع إسرائيل يضعهم في موقف متدن أمام تفوق سلاح الجو والمخابرات النوعية التي يملكها. الآن من الصعب تصديق أن توجههم يكون نحو المواجهة المباشرة.
وحسب أقوال نتنياهو العلنية، فإن استمرار الهجمات الإسرائيلية يدل على أن الحكومة تصمم على الحفاظ على حرية نشاط معين لسلاح الجو في سماء سوريا، على الأقل في وسط سوريا وجنوبها. في شمال غرب سوريا قرب القواعد الروسية لم ترد تقارير عن هجمات إسرائيلية منذ إسقاط الطائرة الروسية في أيلول الماضي.
معظم الإشارات تدل على أن المعركة الجوية في سوريا ستستمر، بقوة متغيرة، في الأسابيع والأشهر القادمة. الذين يمكنهم وقف ذلك هم الروس، إذا نجحوا في فرض تفاهمات ملزمة على الأطراف. الولايات المتحدة لم تعد تُذكر: رغم أن سحب القوات الأمريكية من سوريا يتلكأ. الرئيس ترامب أوضح أنه ليس له اهتمام حقيقي بما يحدث هناك.
عاموس هرئيل
هآرتس 22/1/2019