قبحي الأبدي!
توفيق قريرة
أجلس صامتا بين قوم لا يتوقفون عن الحديث إلا ليتحدثوا من جديد، أشرب قهوة مرة وحيدا في بلد كل من فيه يتحدث بكلام لا يعجب أغلبه. سيجارتي التي تركتها منذ عقدين حلمت بأنني أعود إليها فعدت رأيتها تشتاقني، ورأيتني أحسن أكثر جذب أنفاسها فعدت إليها.. أجذب نفسا عميقا وأصمت كعادتي منذ عقدين، لأن صمتي يجعلني أعي ما حولي وأسمع.. أنا لا أسمع بشكل جيد ما يقوله الناس غير أني أسمع.
في المذياع ناصح نصوح يقدم لمستمعي الصباح حكمه الباهتة يقول، إن الصمت جمالٌ، في الوقت الذي يعجز فيه الكلام. ضحكت من اتهام الناس للكلام بالعجز وللغة بالتقصير.. ليس الجمال في الصمت ولا في الكلام، الجمال فينا والقبح أيضا فينا. ترى ما يكون قبحي الأبدي؟ هذا سؤال أطرحه على نفسي وأحيانا أسمع من الناس ما يعبرون به عن هذا القبح، لكنه لم يشف غليل سؤالي المستمر: ما قبحي الأبدي؟
علا الصياح في المقهى وتشابكت الأيدي ورمى أحدهم غريمه بكأس أخطأ مرماه وأصابني، فارت الدماء من رأسي والتف حولي الناس، ووضع صاحب المقهى شيئا من القهوة على موضع الجرح، ولكن بعض من كان مهتما لجرحي نهره وأزاح القهوة وأسرع يطلب الإسعاف.. كنت أقدر على الكلام ولا أتكلم ماذا سأقول؟ هل أقول: لا تنزعجوا فأنا بخير وهم ليسوا منزعجين ولا أنا بخير؟ أم أقول لهم يا سفلة يا هجاج تختصمون وأضرب؟ أردت أن أسأل أين من ضربني، لكنني لم أستطع أن أنبس ببنت شفة كان المكان يدور وسقطت ولم أعرف بعدها ما حدث.
في عالم ما، لا هو بالحلم ولا هو باليقظة، وجدتني كمن يهوي من الأعالي، لكنه لا يسقط.. لم أكن أخاف أن أسقط ولم أكن أنتظر أن أقع أو أطير.. في هذا العالم البديع لا شيء ينتظرك ولا تنتظر شيئا أنت فقط تمد يديك لشيء ما تريد أن تمسكه، ولكنك في اللحظة التي تريد أن تحكم فيها قبضتك عليه يَتَزَأْبَقُ.. شيء يشبه السراب لكنه سائل دافق ليس كالشراب، له عطر يا إلهي ما أذكاه… كانت يدي أقصر من أن تصل إلى شيء أريد أن أمسكه ولا أدري ما يكون.. لم يكن هو المتمنع.. قصر أعضائك أو تقصيرها لا تكتشفها إلا حين تجدها دون المدى الذي تريد أن تبلغه. كنت أسبح وأريد أن أتكلم فلا أجد الكلام، لكنني أشعر بأنني أقول ويسمعني الفضاء السحري الذي أنا فيه.. كنت قادرا على أن أسمع صوت موجة البحر بجزئياتها، جزءا جزءا وقطرة قطرة .. رحم الله لايبنيتز Leibniz الذي هداني إلى هذا الإدراك الذري لأشياء كنت أدركها مجمعة.. بدا سمعي قادرا على أن تصخه حبات الرمل التي مشيت عليها ذرة ذرة، كان لكل ذرة صوت مميز لأول مرة أسمعها منفردة، كنت أسمع صوتها فردا فردا، وهي تعزف معا، أسمع أجزاءها ولا يعنيني كلها.. السمفونية تقتل لحونها المفردة.. مددت يدي ألاحق ذلك الشيء الممتنع، لكن يدي قصيرة.. أدركت أن ذلك الممتنع هو لساني كان يقترب ويبتعد.. أريد لساني للحظة واحدة، أريد أن أقول للمجتمعين حولي وأنا في لاوعيي الجميل: أتركوني حيت أنا في هذا اللاوعي السعيد..
لا أريد أن أعود إليكم أنتم قبحٌ يجثم على القلوب، وحين أراكم، وحين ألقاكم، وحين أتحدث بلسانكم أكون بقبح أبدي.. لن أعود إلى قبحكم الأبدي دعوني هنا بضربة كأس بضربة فأس برأس يصطدم بجدار.
لا أريد أن أعود إليكم أنتم قبحٌ يجثم على القلوب، وحين أراكم، وحين ألقاكم، وحين أتحدث بلسانكم أكون بقبح أبدي.. لن أعود إلى قبحكم الأبدي دعوني هنا بضربة كأس بضربة فأس برأس يصطدم بجدار.. هنا أغيب عنكم بالحضور.. اللسان في مملكة اللاوعي شيء بعيد المنال، لا لأنه لا يريد أن يعمل بل لأنه يرجوك أن تستمتع بغيره من آلات الإدراك.. لغة الناس لا قيمة لها ههنا.. كل شيء جميل يعلق على صدره معناه.. المعنى ههنا لا يتعبك.. هو كالمحار لكنه ينفتح لك بنفسه ويفتح لك شرايين الإدراك ويقول لك تناولني.. لا شيء سيوقظني ولا حتى أقوى طواحين العالم التي تحدث عنها لايبنيتز، عليّ ألا أدرك صوت الطواحين في الخارج.. الطواحين التي تصوت وتصوت فقط لتطحن الحب الضعيف.. كم كان طعم الحب حلوا بلا طحن.. أمد يدي للساني أريد أن أتكلم هنا، أن أجرب لساني في عالم ينام عن الوعي.. أجرب أن أتكلم فأنطق بحروف ليست حروفي لكنها أخف لا تشديد فيها ولا تكرير، هنا يمنعون حرف الراء لأنه حرف يثقل على اللسان ولا يضيف شيئا.. هنا كل الأصوات جديدة لا تخرج من الزفير ولا تتبع مخارجها، وتحاصر جهرا وشدة، هنا الأصوات تدور في النفس يكفي أن تتمثل ما تريد من المعاني حتى يأتيك.. شكرت تفاصيل هذا العالم وقد صارت في متناول إدراكي.. صرت لطيفا ولا أكره أحدا ولا ألعن أحدا صدقت يا لاكان Lacan فعلا إن اللغة اللاواعية شيء حميمي جدا ومخصوص جدا، وأن الدوال ههنا أهم من المدلولات.. في هذا العالم أنت تسكن لغتك وليست هي التي تعشش في ذهنك.. هنا أنت لا تحلم بأن تقول ما تريد.. «المَاتُرِيدُ» هنا موهوب لك بكل يسر، فقط أغمض عينيك ومد يديك واسترخ وانس الألفاظ التي تعلمتها في عالم الكون والفساد.. هربت من طواحين لايبنيتز واقتربت من طواحين لاكان.. طواحينه تجعلك تتحدث لتقول أكثر مما تريد، عجلاتها استعارية تقحمك في كلامك، ها أنت تتشبث بالعجلة وتديرها وتدور معها، كما يدور الكلام، ولكنك حين تنزل يظل الكلام يدور… هناك من يجعلني أمد يدي من جديد لذلك اللسان الذي هرب مني يستحثني أن أعود.. أأعود إلى أولئك الذين تخاصموا وضربوني بكوب من بلور، من غير أن يكون لي حصان ينزو على خيلهم ولا كلب يهر نابه عليهم؟ أعود شيئا فشيئا إلى كوني الأول إلى لقاء قريب يا أحلى غياب في الحضور.. صوت بعيد كالأشباح الذين أراهم ظل يقرب مني، صوت يقول لي: سلامتك يا عزيزي! أمد يدي لأمسك ذلك الصوت لكن صوت الطواحين يكبر في دماغي، والموج الأعظم يكاد يغرقني من جديد.. أصارع موج الظلمة الذي يغالب موج الضياء، لكنني لا أعرف من أين أمسك برقبته.. أمد يدي من جديد تمسك بها يدٌ تضمها إلى صدرها تقول لي: شكرا يا عزيزي لأنك عدت.. لا تنزعج.. أنت بيننا.. أصوات تهمهم: الحمد لله.. استيقظ.. أريد أن أقول لهم كلاما لا يعجب.. أستطيع أن أرى الآن كل من يحيط بي يدي.. كانت على شاطئ الأمان أضع رأسي في حضنها ولا أجد الكلمات.. هي في خدمتي على مرفأ لساني تستعد لأن تبحر، لكنني أكره أن أقول.. عزيزي أنت عدت إلى وعيك.. لساني يتحرك بعسر: عزيزتي .. اطمئني أنا أعود إلى وعيي.. إلى قبحي الأبدي.. سأثأر منكم في الليل سأبني معبرا بين وعيي الذي يشوهني ولا وعيي الذي يجملني.. غرقت في الصمت.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية