أسانج والحقّ في التفضيح

صبحي حديدي

 

في مثل هذه الأيام، ولكن قبل ستّ سنوات، كان موقع «ويكيليكس» على كلّ شفة ولسان، وعاد إلى صدارة وسائل الإعلام العالمية، الأمريكية على وجه الخصوص؛ إذْ نشر حزمة من الوثائق الدبلوماسية الأمريكية، بلغت قرابة 1.7 مليون من البرقيات والمذكرات والتقارير، تعود إلى سنوات 1973 ــ 1976. ورغم أنّ السلطات الأمريكية رفعت الصفة السرّية عن هذه الوثائق، بالنظر إلى تقادمها، فإنّ الاطلاع عليها ظلّ مقيداً بشروط الدخول إلى الأرشيف الوطني الأمريكي؛ ومن هنا كان امتياز نشرها، وفتحها للعموم، في «ويكيليكس».
واليوم يدفع جوليان أسانج، مؤسس الموقع، ثمن تبدّل السياسة في الإكوادور؛ التي ألجأته إلى سفارتها في لندن طوال سبع سنوات، أيام الرئيس السابق رافاييل كوريا، ثمّ سحبت عنه صفة اللجوء بقرار من الرئيس الجديد لينين مورينو؛ الذي كان ــ للمفارقة! ــ نائب كوريا عندما مُنح أسانج حقّ اللجوء. وأياً يكن موقف المرء من التهمة الأبرز التي تُوجّه إلى أسانج، في أنه عميل للمخابرات الروسية بدليل عدم كشفه وثائق تُلحق الأذى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ فإنّ التضامن معه في وجه احتمال الترحيل إلى الولايات المتحدة هو واجب الحدّ الأدنى في الدفاع عن حرّية نشر المعلومة. وفي المقابل فإنّ ترحيله إلى أستراليا، بلده الأصلي، ليواجه كلّ ما قد يتهمه به القضاء هناك، بما في ذلك ملفّ الاغتصاب في السويد؛ أمر آخر مختلف تماماً، ولا جدال حوله.
لا يتوجب أن تُنسى، هنا، حقيقة حاسمة مفادها أنّ كلّ ما فعله أسانج، بوصفه أحد أبرع مخترقي كلمات السرّ في الحسابات الإلكترونية، أنه ساعد المجندة في الجيش الأمريكي شيلسي ماننغ على تحميل مئات الآلاف من الوثائق التي تدين جرائم الولايات المتحدة في أربع رياح الأرض، وفي أفغانستان والعراق ومعسكر اعتقال غوانتانامو بصفة خاصة. وماننغ اليوم، ومنذ شهر، حبيسة سجن انفرادي لأنها رفضت الإدلاء بشهادة أمام هيئة محلفين في قضية «ويكيليكس» تحديداً. في عبارة أخرى، لن يكون ترحيل أسانج إلى الولايات المتحدة سوى وسيلة إضافية لإدانة ماننغ أيضاً، وتصفية حساب أجهزة البنتاغون والاستخبارات مع كلّ مَنْ تسوّل له نفسه اختراق المحرمات!
وقد يرى البعض، وكاتب هذه السطور في عدادهم، أنّ فضيلة «ويكيليكس» الأولى هي منح المرء وثيقة محسوسة، حول سلوك أمريكي رسمي كان واضحاً كعين الشمس، بيّناً ومنطقياً ومنتظَراً؛ ما خلا أنّ الدليل عليه ظلّ غائباً، أو مغيّباً. على سبيل المثال، ثمة هذه الواقعة التي لا تغيب دلالاتها مع غياب صانعيها، أو اختفائهم من المشهد المباشر: ما الذي فعله الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، حين ارتأى الانحناء أمام «إلهام ربّاني»، حسب تعبيره، أراده (وعلى ذمّته: أوكل إليه) أن يجتثّ شرور الشرق الأوسط من جذورها، وأن يرسل مَنّ الحرّية وسلوى الديمقراطية إلى شعوب المنطقة البائسة؟ لقد قرأ كتاب «حجّة الديمقراطية: جبروت الحرّية في التغلّب على الطغيان والإرهاب»، لمؤلفه… ناتان شارانسكي، السياسي الإسرائيلي، و«المنشقّ» السوفييتي!
أو، في مثال ثانٍ، حين قادت برقيات «ويكيليكس» إلى قطع الشكّ باليقين في أمر السياسات المراوغة التي اعتمدتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ بين مداهنة المسلمين، علانية، في خطبتَيه أمام البرلمان التركي ومن جامعة القاهرة؛ وبين الإمعان أكثر فأكثر، سرّاً، في تخريب العلاقات مع العالم المسلم، هنا وهناك في المنطقة. كأنّ ما تغيّر على مستوى الأفراد في البيت الأبيض، ظلّ ثابتاً أو يكاد على مستوى السياسات؛ فكانت إدارة أوباما، في شخص وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، وفلسفة دنيس روس المتشددة، تعيد إنتاج السياسة ذاتها التي اعتمدتها إدارتا بيل كلنتون وبوش الابن.
بذلك فإنّ تجربة «ويكيليكس» كانت بمثابة «غسيل دماغ»، بالمعنى الإيجابي، عند أولئك الذين يعتقدون أنّ السياسات الأمريكية الكبرى، بصدد الشرق الأوسط تحديداً، يمكن أن تشهد طفرات جوهرية، أو تبدّلات تكوينية تفضي إلى انقلابات رأساً على عقب. هؤلاء كانوا أوّل مَنْ أصابتهم صدمة لدى اكتشاف صلة الاقتداء بين بوش وشارانسكي؛ وأنّ جميع استلهامات الأوّل «الربانية» حول الخير والشرّ، طُويت (حتى قبل أن تتجسد بأيّ معنى عملي) على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، في تبشيرها بـ«شرق أوسط جديد». وهؤلاء، في المقام الثاني، كانوا أوّل خائبي الرجاء من ذلك اللغط الأمريكي الذي تعالى عشية غزو أفغانستان والإعداد لغزو العراق؛ حين أشاع البيت الأبيض أنه بصدد الانتقال من سياسة عقد صفقات التسوية مع أنظمة الاستبداد بذريعة ترجيح مبدأ الاستقرار حتى على حساب الشعوب، إلى سياسة الانفتاح على الشعوب البائسة ذاتها وتزويدها بمختلف الصادرات الديمقراطية، شاءت الشعوب استهلاكها أم أبت!
وهذه اعتبارات تستوجب، أخلاقياً بادئ ذي بدء، مناهضة ترحيل أسانج إلى الولايات المتحدة لأنّ «الجرم» هناك ليس اغتصاب امرأة، أو مخالفة القانون على أيّ نحو يقتضي العقوبة؛ بل هو ارتكاب «جناية» نشر المعلومة على الملأ، وهذا مطلب لا يُجارى حين تنطوي المعلومة على كشف النقاب عن جرائم حرب وفظائع وحشية. التفضيح هنا حقّ مشروع، والدفاع عنه واجب مُلزِم.

قد يعجبك ايضا