أجراس لبنان تقرع حزناً على رحيل البطريرك صفير أيقونة الكنيسة المارونية
وهج 24 : الكنيسة المارونية في يتم ولبنان في حزن”، بهذه العبارة نعت الكنيسة المارونية البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي بقي قلبه يقاوم حتى الدقائق الاخيرة قبل أن يتوقف فجر الاحد في مستشفى أوتيل ديو في ” الايام البائسة ” على حد ما كان يصف الاوضاع التي وصل اليها لبنان.
عُرف ببطريرك الاستقلال الثاني وبصلابة الموقف واشتهر بقوله “وأين يقع قصر المهاجرين؟”
وقد صدر عن المكتب الإعلامي في الصرح البطريركي في بكركي ما يلي “بالألم والحزن الشديدين المقرونين بالرجاء المسيحي، يعلن غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي خبر وفاة المثلث الرحمة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، أيقونة الكرسي البطريركي وعميد الكنيسة المارونية وعماد الوطن. فعند الساعة الثالثة من فجر اليوم، الأحد 12 أيار أسلم الروح بالتسليم المطلق لإرادة الله، منتقلاً الى بيت الآب في السماء، بعد ثلاثية صلاة رافقته في هذا العبور من البيوت والكنائس والأديار وسواها، وبعد أيام من العناية الطبية الفائقة في مستشفى أوتيل ديو”. اضاف البيان “يطلب غبطة ابينا البطريرك قرع الأجراس حزناً في جميع الكنائس عند الساعة العاشرة، والصلاة لراحة نفس الراحل الكبير في كل قداسات هذا الأحد الذي فيه ذكرى قيامة المسيح من الموت. تقبّل الله روحه الطاهرة في مجد السماء، ورحم جميع الموتى المؤمنين”.
كما نعى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى اللبنانيين البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وقال: “ستفتقده الساحة الوطنية رجلاً صلباً في دفاعه عن سيادة لبنان واستقلاله وكرامة شعبه”. واضاف: “بغياب البطريرك صفير تفقد الكنيسة المارونية واحداً من أبرز بطاركتها ورعاتها، كانت له بصمات مشرقة، مدبراً لشؤونها، ومحافظاً على تقاليدها وتراثها التاريخي، ومجدداً رتبها الطقسية، وساهراً على حاجات أبنائها”. وتابع: “أسأل الله تعالى أن يرحم غبطة البطريرك صفير الذي رحل عنا اليوم إلى دنيا الحق، ويسكنه في مساكنه الأبدية، ويجعل ذكراه طيبة على مدى الأجيال”.
ويحظى البطريرك صفير بمحبة شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين ينظرون اليه كبطريرك لكل لبنان وليس كبطريرك للموارنة فقط، هو الذي بقي وفيّاً للمبادىء الوطنية ورفض بسلاح الكلمة وصلابة الموقف المساومة على سيادة واستقلال وحرية لبنان في مواجهة الهيمنة والظلم. وقد أعدّت القنوات التلفزيونية اللبنانية منذ الصباح تقارير عن سيرته ونضاله وابرزها أنه بطريرك الاستقلال الثاني الذي قاوم الوصاية السورية على لبنان وأشرف على صدور نداء المطارنة الموارنة الشهير في 20 ايلول 2000 مطالباً بجلاء الجيش السوري من لبنان ودعم ” لقاء قرنة شهوان “، رافضاً تلبية كل الدعوات لزيارة دمشق ولقاء الرئيس السوري حافظ الاسد ثم نجله الرئيس بشار الاسد في محاولة لتحسين اوضاع المسيحيين والموارنة في لبنان، وكان يردّ على من يدعوه لزيارة قصر المهاجرين ” وأين يقع قصر المهاجرين ؟”، و” ما الذي تغيّر لأذهب الى دمشق ؟”، و” لن أذهب الى دمشق إلا ورعيتي معي”.
وقد دعي البطريرك صفير الى مسيرة البطاركة الموارنة الذين جعلوا من جبل لبنان معقل إيمان وقلعة حرية، فارتضى الدعوة وحمل المشعل، ومنذ تنصيبه بطريركاً في 19 نيسان 1986 خلفاً للبطريرك أنطونيوس بطرس خريش قال صفير إنه ” يحمل صليباً ثقيلاً تنوء بحمله أي كتف، لكنه واثق من أن شعبه سيحمل هذا الصليب معه “، فحقّق انجازات هامة على الصعد الكنسية والوطنية في لبنان وبلاد الانتشار بما أوتي من شجاعة وأمانة وقيم روحية ووطنية.
وقد ربطت البطريرك صفير بالرئيس الراحل رفيق الحريري علاقة صداقة واحترام، وكان الحريري يزوره في بكركي أو في المقر الصيفي للبطريركية في الديمان. وعند إغتيال الحريري توجّه صفير الى قريطم حيث التقى مع قيادات البريستول آنذاك وأطلقت يومها الشرارة لأكبر تظاهرة وطنية في 14 آذار والتي أجبرت الجيش السوري على مغادرة الاراضي اللبنانية في 26 نيسان 2005.
ولم تكن علاقة البطريرك صفير بالعماد ميشال عون على ما يُرام حيث كان الجنرال عون يتهم سيّد بكركي بتوفير الغطاء لاتفاق الطائف، اما العلاقة مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع فلم تكن جيدة قبل فترة اعتقال جعجع، إلا أن البطريرك حمل قضية قائد القوات وقال عنها “حملنا قضية الدكتور جعجع لأنها قضية عدل ونحن قلنا أكثر من مرة إن ذنبه الوحيد هو أنه لم يمش بالصف، فإما أن يكون وزيراً وإما مسجوناً، فاختار السجن على الوزارة “.
ولعلّ الخطوة الكبيرة التي قام بها البطريرك صفير هي المصالحة التاريخية التي عقدها في الجبل مع الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط الذي أعلن في خلالها سيّد المختارة أن “حرب الجبل ولّت الى غير رجعة “، ورافق جولة البطريرك صفير في الجبل تجمّعات في القرى والبلدات المسيحية والدرزية ورفعت لافتات مرحّبة بالبطريرك، كما رفعت اعلام القوات اللبنانية التي كانت مازالت حزباً محظوراً، وارتفعت يافطات للتيار الوطني الحر تطالب بعودة الجنرال ميشال عون من المنفى وبخروج الجيش السوري. وقد ردّ النظام الامني اللبناني السوري على المصالحة بشنّ حملة اعتقالات في 7 آب طالت ناشطين في التيار والقوات.
وكان البطريرك صفير البطريرك الـ76 للكنيسة المارونية عُرف عنه إقلاله من الكلام، وكانت أجوبته قصيرة لكنها معبّرة ومفعمة بالمعاني، واشتهر بعبارة “قلنا ما قلناه ” رداً على من يطلب منه تفسيرات لموقفه. وقد قام صفير بجولات خارجية عديدة لحثّ اللبنانيين المنتشرين على عدم نسيان وطنهم، ومن أقواله امام الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة في العام 2001 ” للبنان ماض وتاريخ وتراث، عاش لبنان دائماً في خطر، ولا حاجة لتعداد ما مرّ عليه من غزوات منذ ايام الصليبيين الى المماليك الى العهد العثماني الى الانتداب الى ما سوى ذلك، وكلهم تركوا اسماءهم على صخور نهر الكلب، ولكنهم ذهبوا وبقي لبنان”.
وفي السيرة الذاتية للبطريرك صفير أنه وُلد في ريفون – كسروان بتاريخ 15 أيار 1920. في بيت عُرف بالتقوى. والده مارون صفير ووالدته حنه فهد من غوسطا، وله خمس شقيقات: ماتيلا، جوهرة، أوديت، لور، ميلانه. أتمّ دروسه الابتدائيّة والتكميليّة في مدرسة مار عبدا – هرهريا في عرمون – كسروان، ثم دروسه الثانوية في المدرسة الإكليريكيّة البطريركيّة المارونيّة في غزير – كسروان، وفي المعهد الإكليريكي الشرقيّ التابع للجامعة اليسوعيّة، حيث تابع دروسه الفلسفيّة واللاهوتيّة.
سيرته الكهنوتية
في 7 أيّار 1950، رقّي إلى درجة الكهنوت، وعيّن خادماً لرعيّة ريفون وأمين سرّ أبرشيّة دمشق (صربا اليوم) وأمين سرّ البطريركية المارونيّة
رُقِّي إلى الدرجة الأسقفيّة وعيِّن نائباً بطريركيّاً في 16 تمّوز 1961:
عيّن مدبراً بطريركياً. ورئيسًا للّجنة التنفيذيّة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان: عام 1975 وممثلاً لرئيس مجلس البطاركة الكاثوليك في لبنان لدى كاريتاس لبنان سنة: 1977، ومستشاراً للّجنة الخاصّة بإعادة النظر في الحق القانوني الشرقي ومرشداً روحياً لمنظّمة فرسان مالطة ذات السيادة
بطريرك وكاردينال
انتخبه مجلس المطارنة بطريركاً في 19 نيسان 1986، وهو البطريرك السادس والسبعون في سلسلة البطاركة الموارنة
. شغل منصب رئيس لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان. وشارك في 6 مجامع عامة لسينودوس الأساقفة، وفي جمعية سينودوس الأساقفة الخاصة بلبنان، وسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط. وهو عضو مؤسّس لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك: عقد المجمع البطريركي الماروني سنة 2003 وهو الأول بعد المجمع اللبناني الذي انعقد سنة 1736
عين كردينالاً في 26 تشرين الثاني 1994، ثم عضواً في المجلس الحبري لتفسير النصوص التشريعيّة وعضواً في المجلس الحبري لراعوية الخدمات الصحية
مؤلفاته وترجماته
-ألّف: من ينابيع الإنجيل، وغابت وجوه (جزئين)، عظة الأحد، رسائل الصوم . وكتابي رتبة العماد والزواج.
له عّدة ترجمات: أهمها: يسوع حياة النفس، يسوع المسيح ، بالإضافة إلى ترجمة عدد كبير من الرسائل البابوية والإرشادات الرسولية .
كتبت عنه عدة مؤلفات: (طريق العودة، السادس والسبعون (جزآن)، حارس الذاكرة، الجيل حقًا قام، رحلة إلى أوستراليا، صوت الراعي. وقام الأب أنطوان ضو والإعلامي جورج عرب بجمع وتحقيق الأعمال الكاملة للبطريرك صفير.
إنجازاته
على الصعيد الكنسي والإداري: عيّن نوّابًا بطريركيّين في جبيل، البترون، الجبّه، دير الأحمر، صربا، جونيه. وترأس سيامة 44 أسقفًا منهم البطريرك الحالي،وأعلن رتبة القداس الماروني الجديد وشارك في السينودس من أجل لبنان: 1995 الذي تلته زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان: 1997.
ألغى الشراكة وملّك الشركاء بيوتهم في الديمان ووادي قنوبين وبلوزا وسرعل وأسّس الصندوق الاجتماعي الماروني والصندوق التعاضدي الاجتماعي الصحّي واستصلح أراض في الديمان وأنشأ صندوق ضمان المطارنة المتقاعدين المشترك وعمل لتصنيف وادي قنوبين وغابة الأرز في لائحة التراث العالمي وأسّس المركز الماروني للتوثيق والأبحاث ومؤسّسة البطريرك نصراللّه صفير والمؤسسة والمارونية للانتشار.
على الصعيد العمراني: إنشاء جناح جديد، جنوب الصرح، يضم قاعات مختلفة: قاعة كبيرة للمحفوظات، مكتبة، قاعة البابا يوحنا-بولس الثاني، غرف للأساقفة، وجناح شمال الصرح، يشتمل على مساكن راهبات وموظّفين ومرافقي الأساقفة، مع قاعة رحبة للمحاضرات ولاجتماعات مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان: إنشاء ساحة مهيّأة للاحتفالات الدينيّة الكبرى، مقابل مدخل الصرح، تشتمل على خوروس رحب ومذبح، وتتّسع لحوالي 20 ألف نسمة وأنشاء قاعة في بكركي باسم البابا يوحنا بولس الثاني وترميم بعض أجزاء المقر البطريركي في قنوبين وإقامة راهبات فيه. وإنشاء بناء جديد يجمع: المحكمة الروحيّة المارونيّة والصندوق الاجتماعي الماروني واللجنة البطريركيّة للشؤون الليتورجيّة الأمانة العامة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان ولمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك المركز الماروني للتوثيق والأبحاث
على الصعيد الكنسي والإداري: عيّن نوّابًا بطريركيّين في جبيل، البترون، الجبّه، دير الأحمر، صربا، جونيه. وترأس سيامة 44 أسقفًا منهم البطريرك الحالي، ضم أبرشية صربا إلى الأبرشية البطريركيّة وإعلان نيابة جبيل البطريركيّة أبرشيّة قائمة بذاتها وضمّ أبرشيّة جونيه إلى الأبرشيّة البطريركيّة وإعلان نيابة البترون البطريركيّة أبرشيّة قائمة بذاتها.
بناء مركز البطريرك صفير الطبي في منزله الوالدي في ريفون، الذي وهبه لرابطة كاريتاس لبنان لإدارة المركز المذكور والمكتبة والقاعات التابعة له.
تحسين كنيسة سيدة لبنان في باريس وترميم البيت الفرنسي اللبناني وترميم كنيسة سيدة لبنان والبيت الفرنسي-اللبناني في مرسيليا – وترميم المدرسة المارونية في روما وإعادة فتحها
على صعيد الزيارات الراعوية والرسمية
– قام بزيارات رسمية وراعوية إلى: الفاتيكان والاتحاد السوفياتي والجزائر والولايات المتّحدة الأميركيّة والكويت وقبرص والمانيا وأفريقيا الجنوبية ومصر والأردن واستراليا والبراز يل ونيجيريا، وغانا وشاطئ العاج وتوغو وبنين والسنغال وكندا والأرجنتين والمكسيك والأورغواي وبلجيكا وسويسرا والسويد وبريطانيا وقطر واسبانيا.
ولقد أسهم البطريرك الكاردينال مار نصراللّه بطرس صفير في الكشف عن نفائس الكنوز الروحيّة في الكنيسة المارونيّة، فكان له دور بارز في إعلان تطويب وتقديس عدد كبير من أبناء الكنيسة المارونيّة الذين عاشوا البرارة وسلكوا بأمانة بحسب نهج القديس مارون. شارك غبطته، في روما، بحدث إعلان الأب شربل مخلوف الراهب اللبناني الماروني طوباوياً وقديسًا، وشارك في إعلان الأخت رفقا الراهبة اللبنانية المارونية مكرّمة ثمّ، طوباويّة وقدّيسة وفي إعلان الأب نعمة اللّه الحرديني الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباوياً و قديساً وفي إعلان الأخ اسطفان نعمه الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباويًا وترأس غطته بتكليف من قداسة كما تمّ فتح دعوى تطويب وتقديس كلّ من رجل الله المكرّم البطريرك مار اسطفان الدويهي الإهدني. رجل اللّه المطران عبداللّه قراعلي أحد مؤسّسي الرهبانيّتين اللبنانيّة المارونيّة والمريميّة المارونيّة والأب الحبيس أنطونيوس طربيه الراهب المريمي الماروني.
وفي مطلع سنة 2011 تقدّم غبطته باستقالته، طالباً إعفاءه من المهام البطريركيّة والانصراف إلى التأمّل والصلاة. فانتُخب المطران بشارة الراعي بطريركاً، بتاريخ 15/3/2011، وهو البطريرك السابع والسبعون.
المصدر : القدس العربي