المعتصم خلف: هنا والآن
المعتصم خلف
الضوء المنكسر في هواء الشعب المعقّم يحتّم على السوري الصراخ بكل مسامه لكي يعرف أنّ النهايات تشرف على الولادة بطريقة أخرى لم يتدرّب عليها المجتمع الذي اعتاد التجمع خلف منصات تمنع السؤال دون استئذان وتسمح للقذيفة بالسقوط وسط الكلام والساحات والأحياء دون الاعتراض على عدد الشهداء. مجتمع يجتمع ليشهد الولادة الملحمية لحالة الزواج الفذّ بين الأرض وسلاحها.
مباشرة الجملة في قوة الإنشاد التي أبحث عنها لن تفيدني الآن لكي أقدم الجرح السوري على طبق من فضة أمام المواقع التي ستأخذ هذا المقال لتنسجهُ على سجية النهر الذي قادتهُ الجاذبية للارتفاع نحو الأسفل, وحتى لغة التضادّ هذه تعلّمتها من دمشق, من شارعٍ معدٍّ بدبّابتين داخل حيٍّ فيه عرس فتبعد القاذفتان الدخان قليلاً لكي تدخل رائحة الفرح نحو كل قلب, ولا تنتهي مزاجية الشعب السوري عند عقدة الرضى التي تُحسب مثل سرعة اليخوت الفاخرة في البحر لأن الملح والماء تركيبة للنجاة من هوس المآذن التي تنادي لا بصوتها بل بصوت من فيها للموت المؤجل, وهل البحر يغرق ؟؟ نعم حتى الماء يغرق أحياناً عندما يجلس على المقاعد المعدّة في الغرف غير الموجودة لانتظار (البلم) لينقلهم من ضفة إلى أخرى, ودّعوا الضفة الأولى واستقبلتهم الضفة الثانية ولم يعبروا الحلم حتى الآن, الوطن الذي تضعهُ في خيمة يضيع بين تفاصيل القماش, ولا شأن للحاضر في ما سيكون إلا لمن أيقظه ليستعدّ لقدومه, فليحضّر نفسه منذ الآن لاستقبال شعوب من المستقبل ترمي نرد النسيان لعلها تنسى.
السوريون شعبٌ معدٌّ للتخزين في الهواء المتسرّب إلى كتب الحكايات وموعظة الجد في زمن تولد فيه الحرب قرب الحرب والسلام كالبحر الذي غرق في قطرة ماء لا يغرق انتحاراً بل طلباً للنجاة, السوري مواطن يعيش وسط النار ويعبر من حريق إلى حريق ولكنهُ يموت من البرد في الشتاء, السوري شعب يعدّ خزائن الذكرى ليرميها في الحدائق الخلفية للمدن المنسية منذ نجاة الملك القديم من حراس هذه القلعة التي تقود شغف الحماس لتدنو منها ملامساً دفء العتبات.
السوري اليوم يحبو ركضاً وينام واقفاً ويعبر بين حلمين وهو ضرير, على هامش الحياة يحيا ليتذكّر أنهُ مات مراراً ولم ينجُ حتى الآن, النجاة هي أن تعرف أن ما كان يستحق الموت, وحتى الآن لم يقتنع الموت أننا نموت بالخطأ الناتج عن تفاوت نسبة سعينا إلى إنقاذ ما كنّاهُ لنكبر كما سنكون.
ولكي يعذّب الله النمل خلق لبعضهِ الأجنحة ولكي يعذّب الإنسان خلق لهُ فضول الأجابة على سؤال الوجود, ولو خلق لهُ الأجنحة لسقط أكثر, والألم الذي لم يصِبنا سيسير أمامنا لننصدم بهِ في لحظة التقدم نحو المسافات القادمة فلا شيء هناك كل شيء هنا والآن.
