د. علي الزبير: شَذْرةٌ من ذكاء المتنبي

د. علي الزبير
لا يختلف اثنان في كون الشاعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي (303-354هـ)، يمثل ظاهرةً لافتة في الموروث الشعري العربي، بل يعده كثير من النقاد والدارسين (شاعر العربية) بلا منازع، ومثلما دار الجدل -وما زال- حول شاعريته وقدراته الإبداعية، دار كذلك حول شخصيته ونفسيته وأخلاقه وثقافته وإيمانه وما شابه ذلك، بل إن الباب ما زال مفتوحا لقراءة تجربته الشعرية، واستنباط ما أضمر فيها من قدراته الشعرية والإبداعية وسماته الشخصية.
وفي هذه المقالة المحدودة أودُّ أن أتلمّس، من خلال نص شعري واحد من ديوانه، سمةً من سماته الشخصية المتعددة، وهي سمة (الذكاء)، وتحديداً الذكاء في المديح، المتمثل في قدرته الفائقة على الإمساك بخيوط الموقف الشعري، ونجاحه في الاستحواذ على رضا الممدوح بعد أن يكون قد قال ما يكفي بعضهُ لأن يجعل الممدوح في ذروة الغضب، وحتى نتمثل هذه الخطوة عملياً، نقرأ هذه الأبيات من قصيدته الدلالية في مدح سيف الدولة (لكل امرئ من دهره ما تعودا)، وهي قوله:
فَيَــا عَجَبــاً مــِنْ دائِـــــلٍ أنْتَ سَيفُــــــــهُ; أمَـــا يَتَـــــوَقّــى شَفْـرَتَـــــيْ مَــا تَقَلــّدَا
ومَنْ يَجعَلِ الضِّرْغــامَ للصّيْدِ بـــــازَهُ; تَصَيّـــدَهُ الضّـرْغــامُ فيمــا تَصَيّـــدَا
رَأيتُكَ محْضَ الحِلْمِ في محْضِ قُـدرَةٍ; وَلوْ شئتَ كانَ الحِلمُ منــكَ المُهنّدَا
وَما قَتَــلَ الأحـــرارَ كالعَفــــــوِ عَنـــهُمُ; وَمَنْ لكَ بالحُـــرّ الذي يحفَظُ اليَــدَا
إذا أنتَ أكْــرَمتَ الكَريــــمَ مَلَكْتَـــــهُ; وَإنْ أنْتَ أكْــرَمتَ اللّئيـــمَ تَمَـــــرّدَا
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى; مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى
فهذه الأبيات تأتي بعد (25 بيتاً) مدح فيها الأمير سيف الدولة وهنأه بالنصر على الروم في إحدى المعارك، ثم هنأه بعيد (الأضحى)، ثم إن هذه الأبيات تسبق المقطع الأخير من القصيدة، الذي يخصصه الشاعر للفخر بنفسه وشاعريته، وفحوى الأبيات السابقة تحريض سياسي مبطن للأمير سيف الدولة للإمساك بتقاليد حكم الدولة الإسلامية المترامية الأطراف بدلاَ من الخليفة في بغداد الذي لم يعد له حول ولا قوة بعد أنه صار البويهيون (334- 447هـ) الحكام الحقيقيين في عاصمة الخلافة (بغداد) وما حولها، فإذا كأن الخليفة وهو الضعيف، يجعلك وانت الضرغام بازاً لاصطياد أعداء دولته، فما الذي يمنع (الضرغام) بعد أن يصطاد العدو الجرار أن ينعطف فيصطاد (الخليفة) الضعيف، ليصير (الضرغام/ سيف الدولة) سيد الموقف، والحاكم الفعلي لبلاد الاسلام، ثم يتمادى الشاعر فينتقل من اللغة المجازية إلى لغة المكاشفة بواقع الحال، مرتدياً جبة الناصح الحكيم والسياسي المجّرب، فيجاهر الأمير بسوء سياسته، لاسيما مع السلطة العليا للدولة الاسلامية، فيقول له: إنك تتعامل معهم بـ(حلم) ولين، في الوقت الذي ينبغي أن تكون شديداً، وأنك (تعفو) عنهم بروح الفارس، وهم مجردون من روح الفروسية التي تجعلهم يحفظون لك صنيعك النبيل معهم، ثم يتمادى الشاعر أكثر حين يجعل نفسه (مُعلِّماً) يشعر بمسؤولية إيصال الفكرة بوضوح إلى (تلميذه) الأمير، فيضرب له الأمثلة على أهمية التفريق بين الكريم واللئيم في المعاملة، وخطورة انتهاج أسلوب (اللين) في الوقت الذي يحتاج الأمر فيه إلى أسلوب (الشدة)، والعكس.
إن هذه الطريقة في نقد سياسة الأمير، تبدو جريئة ومتجاوزة اعراف التخاطب مع الملوك والأمراء، بل إنها ترتقي إلى درجة الخطيئة التي تستوجب العقوبة، لو أنها صدرت عن شاعر غير المتنبي، الشاعر الذي يحمل بين جنبيه روح ملك، وقد اعتاد منه الحكام والأمراء ما هو أبعد من ذلك في جرأة التخاطب والنقد، ومع ذلك فإن المتنبي يدرك أن مثل هذه الطريقة في مخاطبة الأمير غير لائقة، وقد تفتح أمام حاسديه باباً لن ينسد، ليوغروا صدر الأمير عليه، لذا نراه يعقب على ذلك النقد المباشر بقوله:
وَلكنْ تَفُوقُ النّاسَ رَأياً وَحِكمةً; كما فُقتَهمْ حالاً وَنَفساً وَمحْتِدَا
يَدِقُّ على الأفكارِ ما أنْتَ فاعِلٌ; فيُترَكُ ما يخفَى وَيُؤخَذُ ما بَدَا
فبعد أن صور الأميرَ، في الأبيات السابقة، سياسياً ضيق الأفق، وتلميذاً متواضع الذكاء، لا يستوعب الفكرة إلا بضرب الأمثلة، نراه هنا يرتقي به إلى مصافِ الأنبياء، حين يجعله فوق مستوى الناس منزلة وشرفاً، ولا يداخل الشكُّ والقصورُ رأيَهُ وحكمتَهُ، بل يكاد يسبغ عليه صفة (الألوهية) حين يصرح بأن ما يصدر عنه فوق مستوى تفكير الناس، فتخفى عليهم مقاصد أفعاله وأقواله، فيكتفون بفهم ما ظهر لعقولهم (القاصرة) من دلالاتها القريبة، ولا شك أن هذه الصورة الأخيرة (للأمير) كفيلة بأن تمتص ما تولد في نفسه من الغضب من النقد الجريء، مهما بلغة شدته.
ومكمن ذكاء المتنبي في هذا المشهد أنه استطاع أن يوصل وجهة نظره السياسية، النابعة من تطلعه الطموح في تسنم المناصب العليا، دون أن يتعرض لعقاب الأمير، وهو على يقين أن ارتفاع منزلة الأمير سيكون سبباً في ارتفاع منزلته هو، بل يكاد يصرح بطلبه من الأمير أن يبقيه معه ولا يفرط فيه، حين يخاطبه في المقطع الأخير من النص بقوله:
وَمَا أنَا إلاّ سَمْهَرِيٌّ حَمَلْتَهُ; فزَيّنَ مَعْرُوضاً وَرَاعَ مُسَدَّدَا
أي أن وجودي معك زينة لعرشك، وفخر لك، فضلاً عن كوني سلاحك الذي ترعب به أعداءك، وهذا من أقوى الدواعي لاحتفاظك بي.
*- أستاذ الأدب العربي- جامعة عدن
اليمن

قد يعجبك ايضا