بعد 25 سنة: الجيبان الأردنيان الباقورة والغمر… بين تصريحات ملكية ومساومة إسرائيلية

 

268 كيلومتراً على الحدود الأطول للدولة تفصل بين جيبي الباقورة (تسوفر) في الجنوب والغمر (نهرايم) في الشمال. ولكن رغم المسافة البعيدة بينهما بالمقاييس الصغيرة لدولة إسرائيل، يحوم فوق المكانين تهديد مشترك وحقيقي: دعوى ملكية أردنية.
أمس، قبل أقل من شهر من الموعد الذي يفترض بهذه الأراضي أن تعود إلى سيطرة المملكة، قال مسؤولون كبار في وزارة الخارجية إن تأجيلاً لخمسة حتى سبعة أشهر يلوح في إعادة جيب الغمر الذي في العربا الوسطى. ولكن البشرى المتفائلة سرعان ما اصطدمت بنفي قاطع. فقد أوضحت المملكة أمس بأن قرارهم عدم تجديد ملاحق اتفاق السلاح نهائي وقطعي، وهكذا قضي على مصدر دخل مزارعي المحيط.
لم تأت الضربة المفاجئة صدفة. فقبل 25 سنة وقع اتفاق السلام مع الأردن الذي يوفر لنا هدوءاً نسبياً على الحدود الشرقية للدولة. في تلك الأيام، وفي إطار الحدود الجديدة التي رسمت، اندرج الجيبان.. أراض زراعية شرقي قرية الغمر الزراعية في العربا وأراض في منطقة الباقورة بين اليرموك ونهر الأردن في الشمال. وحسب الاتفاق، فإن هذه الأراضي أجّرت لإسرائيل لـ 25 سنة. ويحق لكل طرف من الطرفين إلغاء الاتفاق، بإخطار مسبق بسنة. وقبل نحو سنة، أعلنت الأردن بأن ليس في نيتها تجديد سريان مفعول الاتفاق. وصرح الملك عبد الله بأن هذه “أراض أردنية وستبقى كذلك، لأن الأردن سيطبق سيادته عليها”.
وحسب تقارير في الأردن، فإنه إذا لم يتغير شيء، فإن الغمر والباقورة ستعادان إلى سيطرة المملكة في 10 تشرين الثاني المقبل. والمباحثات على انتهاء مفعول الاتفاق تجري هذه الأيام بين وزارة الخارجية وقيادة الأمن القومي وبين الجانب الأردني، والاتصالات في الموضوع مستمرة. ليس واضحاً الآن ما الذي ستعطيه إسرائيل للأردنيين مقابل ذلك، ولكن الواضح بالنسبة للجيبين أن سيكون هناك تنازل للملك في مشاريع مختلفة كانت عالقة حتى الآن من الجانب الإسرائيلي.

الغمر – مس بالرزق

وقعت البشرى القاسية من جانب الملك عبد الله كالصاعقة في يوم صاف على سكان قرية الغمر الزراعية بنحو 30 عائلة تفلح 1.500 دونم في الجيب تخاف على مصدر رزقها ومستقبلها. وإذا لم تمدد الحكومة الأردنية الاتفاق بالفعل، فتعد هذه ضربة قاضية حقيقية. وهذه العائلات تدور بين الأمل واليأس في محاولة منها لرد القضاء.
“نحن متفائلون، وإلا لما كنا مزارعين”، قال أمس عز عفروني، منسق الاقتصاد في الغمر، “ولكننا لا نجري المقابلات الصحافية في هذا الشأن الحساس”. في المجلس طلبوا من المزارعين والسكان ألا يتطوعوا بالمعلومات خوفاً من أن يخرب هذا على المساعي الحالية لتمديد الاتفاق. وحتى رئيس المجلس ايال بلوم، دخل في حالة صمت.


“لا يعرف أحد ما سيكون”، شرح أحد سكان المكان الذي وافق رغم ذلك على أن يقول شيئاً. “توجد أمنية وثمة واقع. ولكن الواقع هو أننا لا نعرف. هذا وضع حساس جداً. كل شيء منوط بالملك عبد الله”، أما مزارع آخر فأضاف: “في الصباح كانوا متفائلين، في الظهيرة قالوا العكس، لم نعد نعرف ما سيحدث”.
وروى أحد العاملين في المرافق بأن أرباب عمله ليسوا متفائلين جداً. “هم مستعدون لأن يقال لهم بعد قليل إنه لم يعد هناك جيب. فما الذي سيفعلوه بعد ذلك؟ هذا سؤال جيد. من اللحظة التي بدأت فيها هذه المسألة اعتقدوا أنها موضوع وقت فقط. قالوا لهم ازرعوا فزرعوا. وعلى أي حال، فإن فرع الزراعة هو فرع يصاحبه الكثير من التوتر والضغط، ولهذا يبدو لي أنهم مشوشون. لا أدخل في جيوب الناس، ولكن في اقتصادنا ثمة عائلتان زرعتا في السنة الماضية 100 دونم فلفل، أما هذه السنة فقررتا زراعة 60 فقط. وأسقطتا 40 دونمًا بسبب الوضع.

الباقورة – نودع جزيرة السلام

قبل 74 سنة ولدت يردينا منور في الباقورة، ابنة لأحد عاملي شركة الكهرباء الذين كانوا يعيشون في قرية العاملين لبناة محطة توليد الطاقة، عند ملتقى نهري الأردن واليرموك. وغداً ستأتي على نحو خاص للمشاركة في حفل وداع “جزيرة السلام”، الموقع التاريخي الذي يسمح بجولة مع إطلالة على محطة توليد الطاقة القديمة التي أقامها بنحاس روتنبرغ.
“يحزنني جداً أن تعاد هذه المنطقة إلى الأردن”، روت منور بألم: “أشعر بأنهم يقطعون جزءاً من جسدي ونفسي. لم أصدق أن هذه المنطقة ستعاد إلى السيادة الأردنية، كنت مؤمنة بأنها، منذ اتفاق السلام، ستبقى مؤجرة لإسرائيل لسنوات طويلة أخرى”.
منور ليست وحيدة. معها كثيرون آخرون ولدوا وترعرعوا على شاطئ الأردن يعيشون اليوم إحباطاً هائلاً. “بعد اتفاق السلام كان هناك إحساس بالتفاؤل”، استعادت ميرالا دافيد الذكرى وهي التي ولدت قبل 85 سنة في كيبوتس اسدوت يعقوب، تقول: “اعتقدنا أن هذه الشراكة ستبقى إلى الأبد. في الأحلام الأكثر تشاؤماً لم أقدر بأن منطقة كهذه ستعاد إلى الأردن. أجل، حزينون”.
نوعامي شوشاني، 75 سنة، التي ولدت في كيبوتس اسدوت يعقوب، أضافت: “لا أشعر بأن الدولة معنا. كنت أتوقع أن تحقق خططنا المشتركة مع الأردن إلى مشاريع في مجال السياحة. ثمة خطط وكلها على الورق. لو كانت إسرائيل عالجت الوضع في الـ 25 سنة الأخيرة لما كنا في هذا الوضع. غاضبة لأنهم لم يساعدوا في الحفاظ على هذا المكان”.
كما أن عوديد جفني، 85 سنة، من مواليد الكيبوتس، أعرب عن خيبة أمله فقال: “في اليوم الذي تعاد فيه الأرض إلى الأردن سيكون يوماً أسود في تاريخ إسرائيل. فلا يمكن أن أتخلى عن الأرض. كان فشلاً في المفاوضات مع الأردنيين، وأشعر بالإحباط.
شاي هدار، مدير موقع الباقورة، يواجه في الأسابيع الأخيرة آلاف الإسرائيليين الذين يأتون إلى جزيرة السلام ويحاولون استغلال الزيارة الأخيرة في الجزيرة قبل أن تعاد إلى السيادة الأردنية.
“منذ أن تصدر الموضوع العناوين ثمة ارتفاع حاد في عدد الزوار، فهناك من يذكرنا بالزوار الذين جاءوا فور اتفاق السلام”، يروي عيدان غرنباوم، رئيس المجلس الإقليمي عيمق هيردين، “يريدون أن يعلموا عن ماذا يدور الحديث، اهتمام، تعاطف، وتقمص عاطفي مع المزارعين، وأمل”.

بقلم: إسرائيل موشكوفيتس
يديعوت 17/10/2019

قد يعجبك ايضا