جائحة او جائزة إنهيار أسعار النفط في زمن الكورونا

أحمد إبراهيم أحمد ابو السباع القيسي…

 

يتابع الكل منا ما جرى من إنهيار كبير في أسعار النفط العالمية، البعض من قادة الدول النفطية المصدرة والغنية يعتبرها جائحة والبعض الآخر من الشعوب والدول الفقيرة والتي لا تنتج النفط وتستورده يعتبرها جائزة…

وبالرغم من أن الدول الكبرى المنتجة للنفط إتخذت قرارات بتخفيض الإنتاج حتى تتحسن أسعار النفط قبل الكورونا إلا أن الكورونا أصابهم بالجائحة الكبرى التي ألهت الجميع عن النفط وهبوط الأسعار لإنشغالهم بمحاربته والسيطرة على عدم إنتشاره في دولهم، فبقيت الأسعار وهبوطها وتدنيها إلى أدنى الأسعار حسب تقارير الإقتصاديين والإخصائيين النفطيين في منطقتنا والعالم دون تنفيذ تلك القرارات…

وهو ليس أول إنهيار في تلك الأسعار فقد هبطت الأسعار في الثمنينات بشكل كارثي أي أثناء الحرب العراقية الإيرانية وهي حرب كارثية أيضا أثرت على الدولتين المتحاربتين وعلى معظم الدول الإقليمية والعالمية، ومنذ عام 1984 ولغاية 15سنة تلتها إلى أن وصل سعر البرميل عالميا 36 دولار، وفي بداية التسعينيات هبطت أسعار النفط دولارات أخرى، والمعروف أن السعودية هي أكبر دولة منتجة للنفط في العالم وكانت هناك رهانات سعودية في ذلك الوقت لإغراق الأسواق بالنفط وزيادة الإنتاج وكانت رهانات خاطئة قلبت السحر على الساحر وعادت سلبياتها على السعودية وحلفائها من الدول المنتجة للنفط….

وللأسف الشديد وقبل أن ينتشر الكورونا إتخذت السعودية قرارا آخر بزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق العالمية كما يحلل البعض لضرب روسيا وإيران وبعض حلفائهم من الدول المنتجة للنفط، والبعض الآخر يحلل بأن القرار السعودي كان بتنسيق روسي سعودي لضرب الصخر الزيتي الأمريكي الذي أصبح إنتاجه بشكل كبير في أمريكا…والأغلبية ترجح التحليل الأول لأن السعودية وأمريكا حلفاء للأبد رغم دبلجة بعض الخلافات هنا وهناك ويعتبرون روسيا وإيران وغيرهما من الدول المنتجة أعداء لهما ومنافسيين غير مرغوب فيهم عالميا وفي الأسواق السعودية الأمريكية…

وتكررت الأخطاء نفسها من قبل السعودية وشركة أرامكو السعودية والتي هي أكبر شركة نفط في العالم، الأمر الذي جعل كل منتجي النفط يبكون وبالذات السعودية وحلفائها في أمريكا،
وروسيا وإيران والصين مسيطرين على أوضاعهم النفطية والمالية بشكل كامل بالرغم من هبوط الأسعار والحصار والعقوبات الظالمة من قبل أمريكا وأوروبا المتصهينتين، وبالرغم من فيروس كورونا وآثاره على حياة شعوبهم، إلا أنها دولا أثبتت قدرتها على الصمود والمواجهة والتحدي لأعدائها لأنها تعلم جيدا كيف تتعامل مع هؤلاء الأعداء الذين يخططون لتدميرها ليلا ونهارا في غرف الصهيونية العالمية المغلقة ومقرها أمريكا، وتلك الدول لديها كل الشجاعة والقوة والثقة بالنفس لمواجهة أمريكا وحلفائها ووكلائها وعملائها أينما كانوا، وهي دول تحسب لقوتها أمريكا ألف حساب ولا تستطيع مواجهتها وجها لوجه وإنما تستخدم طرقا خبيثة متعددة عبر عملائها ووكلائها وعصاباتها لمواجهة تلك الدول، ولكن كل تلك الطرق الخبيثة والشيطانية تنقلب على المخططين والمنفذين لها بإذن الله تعالى وعونه،فتفشل مخططاتهم ومشاريعهم وترمى في مزابل التاريخ للمنطقة والإقليم والقارة والعالم….

وللتذكير أمريكا في الثمنينات والتسعينيات كانت أكبر دولة مستوردة للنفط والغاز ومن ثم بعد ذلك أصبحت دولة مصدرة للنفط والغاز أيضا، وفي ذلك الوقت كانت المصالح الأمريكية السعودية تتجاذب تارة وتتنافر تارة أخرى، وحينما أصبحت أمريكا دولة مصدرة تغيرت المصالح وكان لا بد من إفتعال حرب عربية داخلية للسيطرة على أموال الخليج النفطية وتم إفتعال حرب الخليج وتشجيع العراق لدخول الكويت بمؤامرة أمريكية غربية صهيونية فكانت حرب الخليج تسير بأهدافها كما خطط لها وإستعان قادة الخليج بأمريكا وأوروبا وجيوشهما لحمايتهم من العراق وتم بتلك المؤامرة تثبيت قواعدهم في الخليج وأصبح ينظر لهم من قبل الزعماء السابقين وترامب الحالي أي إلى السعودية خاصة ودول الخليج عامة كبقرة حلوب لدفع الأموال والثروات الكثيرة التي يملكونها بحجة حمايتهم من الأعداء المفتعلين،
وبعد الغزو الصهيوأمريكي أوروبي للعراق وسقوط حكم الرئيس صدام حسين إخترعت أمريكا والغرب الصهيوني عدو جديد للخليج وهو إيران ليضمنوا بقاء قواعدهم هناك ويبقى حكام الخليج يدفعون لهم الأموال الهائلة لحمايتهم من عدو وهمي ومزيف، ولو أن هناك عقل وتفكير سليم لدى حكام الخليج لعرفوا أن عدوهم هو أمريكا والغرب الصهيوني الذي ينهب أموالهم وثرواتهم وخيرات شعوبهم وثروات الأمة العربية والإسلامية وليس إيران الدولة المسلمة والجارة والتي تريد من حكام الخليج أن يقغوا معها لطردهم من المنطقة لبقاء هذه النعم والخيرات والأموال والثروات لشعوب الخليج ولشعوب الأمة لتزيد من قوتهم لا أن تصبح مصدر ضعف وإذلال لهم ودفع دون حسيب للفتوة الأمريكية الغربية الصهيونية…

وفي الأيام الأولى من هبوط أسعار النفط كان ترامب فرحا بهذا الهبوط من خلال تصريحاته التي كان يسمعها الجميع، وبعد أن إنقلب سحرهم عليهم وهبوط سعر النفط الأمريكي إلى الصفر وبعد خسارة 21 مليون أمريكي من الذين يعملون بالطاقة والنفط وظائفهم من جراء هبوط الأسعار إتصل ترامب مع الرئيس الروسي بوتين ومع سلمان وولده للتنسيق معهم لتخفيض إنتاج النفط…

وترامب قبل الكورونا كان يضمن فوزه بالإنتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم ولكن بعد الكورونا وإهماله بخطورة الفيروس وعدم حماية شعبه والبطالة التي إزدادت في أمريكا بعد هبوط الأسعار هبطت شعبيته إلى الصفر، وأيضا بعد الكورونا لم يعد ترامب يستطيع العمل لوحده وبشكل فردي وما يهمه اليوم هو إرضاء حكام الولايات ليضمن فوزه في الإنتخابات الرئاسية، وهذا لن يحصل لأنه كشف أمام حكام الولايات وأمام شعبه بأنه يعمل لنفسه ولتنفيذ مخططات اليهود الصهاينة وليس لمصلحة شعبه الأمريكي…

والآن السعودية بعد قرارها الخاطئ بزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق العالمية بالنفط وبعد إكتفاء تلك الأسواق او معظمها أصبحت تبحث عن مشترين جدد من الدول المستهلكة وبأي ثمن الأمر الذي جعل بعض الدول تشتري النفط للتخزين الإستراتيجي وبعد ذلك سيبقى بيع النفط بنفس الأسعار الرخيصة مستقبلا وستواجه السعودية وبعض الدول المنتجة إنكماش إقتصادي لم تراه منذ عقدين من الزمن، وللعلم أن بعض الولايات الأمريكية المنتجة للنفط تأثرت كثيرا وسيصيبها ذلك الإنكماش وأيضا هناك ولايات أمريكية تفضل شراء النفط بسعر رخيص…

أما منظمة أوبك والتي تم إنشائها وتأسيسها في العراق زمن الرئيس عبد الكريم قاسم عام 1969 كانت لحماية الدول العربية والإسلامية المنتجة للنفط، ولكن للأسف الشديد أصبح أعضاء تلك المنظمة لا يلتزمون بقراراتها وبالذات السعودية والتي إتخذت قرارات خاطئة عدة خارج المنظمة ومنها القرار الفردي بزيادة الإنتاج وتعويم الأسواق العالمية بالنفط بناء على طلب أمريكا، وهي منظمة أصبحت مهمشة كثيرا ولا يوجد لها قرار والكثير من الدول والخبراء النفطيين والماليين يتهمون السعودية بتدميرها نهائيا لمصالح أمريكا…

والبعض هنا يتسائل هل هذا الهبوط سيؤثر على الدولار عالميا؟ وحسب تقارير عالمية يبدوا أنه وفي هذه السنوات لن يؤثر ذلك على الدولار لأن أمريكا ومنذ عام 1972 وهي تطبع الدولار وما زالت معظم الدول تتعامل مع الدولار وبالدولار لأنها تثق به ثقة عمياء عن باقي العملات العالمية للأسف الشديد، ويتوقع في السنوات القادمة أن تتصدر الصين وعملتها مركز الريادة العالمية ولكن ليس في هذه السنوات…

أما أزمة كورونا فهي لا تؤثر على أسعار النفط هبوطا او إرتفاعا، التأثير فقط يكون في العرض والطلب وزيادة الإنتاج أو إنخفاضه والنظر لحاجة السوق من هذا النفط او ذاك، والسبب الرئيس لهبوط الأسعار هو القرار السعودي الخاطئ بزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق العالمية، وللعلم فإن كل الدراسات الإقليمية والدولية تؤكد بأن زمن النفط سينتهي قبل عام 2050 بسبب التكنولوجيا الحديثة في السيارات والطائرات والمعدات …وغيرها والتي أصبحت تسير على الطاقة الشمسية وعلى الكهرباء…

والسؤال هنا إلى متى ستبقى السعودية ودول الخليج تبعثر بأموال الأمة خيراتها التي حباها الله للأمة كاملة لتزداد قوتها وتكون حصنا منيعا لها من الأعداء؟ وبدل ذلك تعطيها لأعداء الأمة لتزداد قوتهم ونبقى ضعفاء متحاربيين أذلاء لهم ومنذ عشرة سنوات مضت ولغاية الآن وللأسف الشديد أصبحت السعودية والإمارات والبحرين وقطر وتركيا تستخدم أموال الأمة وخيراتها لتنفيذ المخططات والمشاريع الصهيوأمريكية غربية وتقوم بحروب بالوكالة في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها وحسب المخطط بعضهم يقف مع والآخرين ضد ليظهر أمام العالم على أنه صراع عربي إسلامي داخلي وهو مخطط صهيوأمريكي ينفذ عبر تلك الأدوات المستعربة والمتأسلمة لتدمير دول الأمة وإستنزاف قوتها وثرواتها وأموالها وتفتيتها وتقسيمها بقتل قادتها الشرفاء أو إسقاطهم وتنصيب عملاء لأمريكا خونة ومرتزقة وإنهاك جيوش الأمة والتي أصبحت قوة تخيف الصهيوأمريكا وسفك دماء شعوبها وتهجيرهم وحصارهم وفرض عقوبات عليهم وزيادة فقرهم وجوعهم وإذلالهم بحجج فتنوية طائفية وسياسية بغيضة وبثورات صهيوأمريكية مفتعلة بعيدة عن العروبة وقيمها ومبادئها وأخلاقها وبعيدة عن الإسلام وسنة سيدنا محمد وسيرته الحميدة صلى الله عليه وسلم وبعيدة عن منهج سيدنا محمد وآل بيته الكرام وصحابته أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكل صحابته عليهم جميعا الصلاة والسلام والذين ضحوا بأرواحهم لتبقى الأمة على قلب رجل واحد بعربها وعجمها، ولتنشر رسالة الإسلام الحقيقية الإلهية المحمدية على البشرية جمعاء بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة…..

وفي النهاية أطمئن الأمة كاملة بأن الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بشرونا دائما بالنصر على أعداء الأمة والإنسانية جمعاء وعلى عملائهم ووكلائهم في منطقتنا والعالم، وللأمة ربا يحميها ويحمي دولها وشعوبها وثرواتها وخيراتها وأموالها ويأخذها من أيدي المبعثرين والمبذرين لها ويضعها بأيدي أمينة من عباده الصالحين الذين يحافظون عليها وعلى الأمة ويستخدمونها لصالح الأمة وحمايتها ويوزعونها بالتساوي على دول الأمة وشعوبها لتبقى الأمة قوية غنية كريمة لا فقر فيها ولا جوع ولا حاجة،إن لم يكن اليوم فغدا وغدا لناظره قريب، قال تعالى (ونريد أن نمن على الذين إستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) صدق الله العظيم…

الكاتب والباحث والمحلل السياسي…
أحمد إبراهيم أحمد ابو السباع القيسي…

قد يعجبك ايضا