نزار حسين راشد: فصل من رواية: الاحلام تتجسد

شبكة وهج نيوز – عمان :

نزار حسين راشد
في 10 حزيران 1967،لَحِقْنا بوالدي إلى الضفّة الشرقيّة من نهر الأردن،وعلّق والدي على مجريات الحرب كالتالي، قال: لم نتلقّ أوامر بإطلاق النار، حتّى بعد أن قام اليهود بقصفنا،وإطلاق النّار على مواقعنا،والاشتباك مع اليهود كان إمّا دفاعاً عن النفس،أو بقرارٍ ميداني من قيادات الوحدات العسكريّة،لم يكن لدينا غطاء جوّي ،وكانت هذه نقطة تفوّق العدو الحاسمة،بالإضافة إلى سلاح الدبّابات،أمّا نقطة تفوّقنا فكانت المدفعيّة،نظراً لضيق العمق الإسرئيلي بين البحر وخط الهدنة،والمعروف عسكريّاً بالشريط السّاحلي ،وكانت مدفعيّتنا تطال عمق المدن،الأمر الّذي يزعج الإسرائيليين كثيراً.. وبعد ذلك تلقّينا أمراً بالإنسحاب..وكان العذر: أن ّ مصر خذلتنا، ولم يرسل عبد النّاصر طائراته،وتركنا هدفاً مكشوفاً لسلاح الجو الإسرائيلي!ثُمّ لم يلبث والدي أن استقال من الجيش،وانتهت روايته عند هذا الحد،حيث لم يعلّق بعدها بشيء!
تحت أعيننا تجسّد الحلم من جديد،ويبدو أنّ هذه الأمّة لا تتنازل عن أحلامها،حتّى عقب أقسى الهزائم،تشكّلت المنظّمات المقاتلة الفلسطينيّة،وبدأنا نرى مقاتليها في الشوارع،بلباسهم المبرقع وبندقيّة الكلاشينكوف المعلّقة في أكتافهم،واندفع الشباب للإنضمام إلى صفوفها،اندفاعاً محموماً،وبمباشرة العمليّات العسكريّة،ضدّإسرائيل،شعرنا جميعاً بأنّ الحرب لم تتوقّف،وأنّ الفرصة أمامنا لم تزل مفتوحة لتحقيق النصر،او تعويض الهزيمة،كان ذلك استرداداً للذات الّتي فُقدت أو بَتَرتها الهزيمة بتراً موجعاً،كان سباقاً جماعيّاً لاستعادة الكرامة،بلغ ذروته حين اندلعت معركة الكرامة بالفعل قرب بلدة الكرامة عبر ضفّتي النهر،بين المقاومة الفلسطينيّة مدعومة بمدفعيّة الجيش الأردني،وبين الجيش الإسرائيلي،انتصر فيها الجيش والمقاومة نصراً مبينا،وخسرت القوّات الإسرائيليّة خسائر فادحة، وانسحبت مثخنة،تجرّ معها جثث قتلاها،حصيد الإنزال الجوّي الفاشل،الّذي تلقّته كمائن المقاومة بالنيران،وفتحت هذه المعركة أفقاً جديداً للتحالف بين الجيش النظامي الأردني والمقاومة الفلسطينيّة،ودبّت الروح الوطنيّة في الجيش الّذي كان متلهّفاً لغسل مرارة الهزيمة،ومحو طعمها من تحت لسانه!
كان ذلك أكبر من أن يحتمله الملك والنّظام،وكان يعني مباشرةً،أنّ أيّام النظام أصبحت معدودة،بفعل تنامي التأييد للمقاومة في الشارع،وانتقال العدوى إلى صفوف الجيش،وكان الصّدام وشيكاً لا محالة،وهذا ما حصل فعلاً،واضطرّ ياسر عرفات إلى الخروج بمقاتليه،تحت ضغط عربي،تربطه به وشائج،كان فصْمُ عراها انتحاراً سياسيّاً،بأيّة حال!
ولكنّ الحُلُم لم ينته،بل انتقل إلى الساحة الأكثر حيويّة،لبنان،والتي برغم تناقضاتها،كانت المهد الأوّل لحلم النهصة والتحرّر العربيين،حتّى باستلهام الليبراليّة الغربيّة،ومباديء الثورتين الأمريكيّة والفرنسيّة،هذا الإستلهام الّذي لا زالت النخبة العربيّة المثقّفة تجرّ ذيوله وراءها وهي تدير ظهورها إلى الوطن ،لاجئةَ إلى منابتها الأصليّة :أمريكا وباريس!
تكرّر السيناريو نفسه في لبنان،وسطّر ياسرعرفات سِفْرَ خروجه الأخير من لبنان،بعد أن ضاقت به السّبل،وأعلن حلفاؤه في الحركة الوطنيّة عجزهم عن الاحتمال،وناء بهم حملهم!كان الثّمن باهظاً،وعجز الجميع عن تسديده،وبدا لبنان بكلّ ما أتاه الله عاجزاً عن الوقوف في وجه عالم متواطيء مع إسرائيل،ونظام سوري قيّم تغيّرالمعادلة السياسيّة في لبنان كبشارة بنهايته ،فنظام ديكتاتوري منغلق لا يحتمل هبوب هواء الحرّيّة من نوافذ بيوت المخيّمات وأكواخ الحارات الشعبيّة،خاصّة وأنّه يمثّل الوجه الآخر للنظام الطائفي في لبنان،وانكشاف هذا النظام أو زعزعته،يعني انكشاف وجهه الطائفي بالمثل،كيف والفلسطينيّون في لبنان يمثّلون مدّاً سنيّاً يلتقي مع روافده في طرابلس الممثّلة سياسيّاً بزعامات سنيّة بمباديء ناصريّة،الأمر الذي ينكأ بدوره جراحاً قديمة نائمةً بخاصرته ،فحافظ الأسد هو الّذي قاد حركة الإنفصال عن مصر الناصريّة في 1963بالتحالف مع صلاح جديد وضُبّاط علويين ومن أقليّات أخرى!ولذا فقد كان المدّ الوطني في لبنان يوقظ كل أوجاعه المزمنة،ويهدّد وجوده تهديداً مباشراً!
بعد انحسار المد الثوري،وتهافت الأنظمة العربيّة للصلح مع إسرائيل،والّذي افتتحه أنور السادات الوريث الشرعي لثورة 23 يوليو الناصريّة،ولحق به ياسر عرفات بعقد اتفاقيّة أوسلو عام 1993،ثمّ تبعته الأردن بعقد اتفاقيّة وادي عربة عام 1994،فتح هذا الإنحسار الباب على مصراعيه للمد الديني،كبديل يعيد الصراع مع إسرائيل إلى سيرته الأولى،وخاصّةً بعد انتصار الثورة الخمينيّة في إيران،والتي اصطدمت مع الولايات المتّحدة رأساً برأس،ورفعت شعار”الموت لإسرائيل”،ومدّت يديها بالدعم المفتوح لحركة إسلاميّة ممثّلة بحزب الله في لبنان،وحركة حماس الإسلاميّة في فلسطين،وجاءت الحرب في أفغانستان لتفتح الباب بدورها أمام مدٍّ جهادي سنّي،دقّ المسمار الأخير في نعش الإتحاد السوفياتي،ونعش حليفه اليسار العربي،الّذي سقط من فوق حصانه،ولم يبق له من حصن،ولا حضن يلجأ إليه إلّا النّظام السوري،المعادي للحركات الدينيّة والّذي نكّل بالإخوان المسلمين،وارتكب المذابح في حملة مسعورة لتصفيتهم،ومع ذلك تحالف مع الثورة الخمينيّة بحكم الوشائج الطائفيّة الّتي تجمع بينهما،والّتي تعمّقت بسبب نشوب الحرب بين إيران والعراق تحت حكم صدّام حسين العدو التقليدي للنظام السوري،منذ انقلاب عام 1966في سوريّا،ومغادرة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث إلى العراق!
وهكذا انشقّ المد الإسلامي إلى تيّارين،شيعي متحالف مع اليسار العربي المتهالك،وسنّي يضمّ تحت جناحه الإخوان المسلمين والسلفيين…
وجاءت حرب الخليج الأولى الّتي شنّها الأمريكان على العراق عام1990 بذريعة تحرير الكويت من الإحتلال العراقي، وبتأييد إيراني سعودي ،لتزيد الإستقطاب حدّة،ولتوفّر الأرضيّة الخصبة للحركات السنّيّة الجهادية،لإعلان الحرب على كلٍّ من السعوديّة وإيران ،ثُمّ جاءالإحتلال الأمريكي للعراق عام2003 بمساعدة إيرانيّة وفتوى سعوديّة وغطاءٍ سياسي من الطائفة الشيعيّة في العراق، ليعمّق الشرخ ويوفّر للمد الإسلامي الذريعة لخطابِ أيديولوجي يكفّر الأنظمة المتحالفة مع أمريكا وإسرائيل وعلى رأسها بالطبع السعودّية وإيران!
نظام حافظ الأسد الّذي اختبأ طيلة الوقت خلف معاداة الإمبرياليّة الامريكيّة،أسقط ورقة التوت بإرساله قوّات تقاتل إلى جانب التحالف الأمريكي في العراق عام 1990″حرب الخليج الأولى!
وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق في 2003،سلّمت قوّات الإحتلال الأمريكي زمام السياسة العراقيّة لإيران،لتضمن قمع أي حركة مقاومة مسلّحة،بحكم التبعيّة الدينيّة لشيعة العراق للمرجعيّة الإيرانيّة وإئتمارهم بأمرها،وهكذا التقت المصالح الإيرانيّة الأمريكيّة وأصبح العداء المعلن بينهما خبراً من الماضي!
وهكذا تبدّلت المواقع واعتلى التيّار الإسلامي السّنّي سرج العداء مع أمريكا،ولعبت الحركات الجهاديّة رأس الحربة في هذه الحرب تاركةً الحركات الإسلاميّة السلميّة كالإخوان المسلمين وما يسمّى بالسلفيّة العلميّة الّتي ترعاها السعوديّة،خلفها بمسافات!
وهكذا طفا مصطلح الإرهاب الإسلامي على سطح السياسة الدوليّة والخطاب الإعلامي،وروّجت له الولايات المتّحدة خاصّةً بعد تفجير برجي مركز التجارة في نيويورك في 11 سبتمبر 2001،وإعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عن التفجير!
وأصبح شعار مكافحة الإرهاب شعاراً ترفعه الولايات المتّحدة وألأنظمة المنضوية تحت لوائها،بمن فيهم الإخوة الأعداء أي السعوديّة وإيران!والّذين تلقّفا مصطلح الإرهاب والجماعات التكفيريّة والخوارج تلقّف الملهوف،على الرغم من أنّهما بدورهما يكفّران بعضهما بعضاً!”
….
صحوت على صوت هدباء منبّهاً إيّاي،إلى أنّنا نستعدُّ للهبوط في مطارالقاهرة الدولي،وأنّ عليّ أن أربط الحزام..
أقفلْتُ دفّتي الكتاب وناولته إلى هدباء،دون أن أستفيق من سهومي بعد!
بدا مطار القاهرة محنّطاً،عليه مسحة قِدم،برغم الحركة الدائبة في أرجائه،وتولّى إبراهيم أمر ختم الجوازات،وخرج مبتهجاً وهو يعلن بصوته الجهوري:لولا معارفي لما خرجتم قبل آذان العِشاء!
استأجرنا سيّارة”ليموزين”،مخافة أن نقع في براثن السائقين الشعبيين،كما قال إبراهيم أيضاً،ووجّه إبراهيم السائق:الهيلتون التحرير يا اسطة!وقال السائق:حاضر يا بيه!ولم اجد بُدّاً من التعليق:
-لِمَ هذا الإسراف، يا أخي الأرستقراطي..خديوي إبراهيم؟!
وردّ إبراهيم ضاحكاً:
-أتدري أنّه كان للخديوي قصر في نفس الموقع؟!ومع ذلك يبدو أنّك لا تذكر ما قلته لك:هناك سيولد التاريخ!
قضينا وقتنا في السّياحة بين الأهرامات وخان الخليلي والمُقطّم،ثمّ سيّدنا الحسين والسيّدة زينب،وحديقة حيوانات القاهرة والمتحف المصري،وكنّا نشاهد شراذم مبعثرة من المتظاهرين،هنا وهناك،وحين تلتقي نظراتنا،كان إبراهيم يكتفي بالتعليق:ساعة الولادة لم تحن بعد!وكأنّه يفهم من نظراتي أنّي أكذّب نبوءته!
كانت النّساء في غاية السعادة وخاصّة هدباء وكارول،أمّا مريم فلم يعجبها مستوى النّظافة،وكانت ترفض تناول الطّعام،إلّا في مطعم الفندق!
مساء يوم الرابع والعشرين من يناير 2011،أصدر إبراهيم تعليماته للنساء كالتالي،قال:
-ستنتقلن معاً إلى السويت”الجناح” الأيمن،وسنبقى أنا وإسماعيل في السويت”الجناح” الأيسر،إفعلن ما يحلو لكُنّ،تسوّقن،سرّحن شعوركن،لأنّنا لن نخرج لمدّة يومين أو ثلاثة!
وسألت مريم بدلال: لِمَ هذا القرار العسكري؟!
وأجاب إبراهيم بجدّيّة مصطنعة:
-احتياطات أمنيّة!لا ندري ماذا سيحدث!المظاهرات تتصاعد بوتيرة سريعة،ألم تلحظي ذلك أثناء خروجنا وعودتنا؟!
مساء ذلك اليوم في ليلة الخامس والعشرين من يناير 2011،التقطت أذنا إبراهيم،صوت الهمهمة الخفيّة،صاح بجذل:
-إنّه الطّوفان قادِمٌ يا عزيزي،لقد فار التنّور!
التقط كاميرته،الّتي جهّزها مسبقاً وطار إلى الشُّرفة،الّتي تُطلُّ على الميدان!كان المدُّ الجماهيري يتدفّق،أو الطّوفان كما قال إبراهيم،ورُِفعت لافتات وعلت هتافات،وصاح الجميع بصوتٍ هادر:
-الشّعب يريد إسقاط النّظام!
كان صوتاً مزلزلاً،يشفي غليل الإحتباس الطويل،ويهزّ أركان قصر الحاكم،أيّاً كان وحيثُما كان!
كان إبراهيم يُسجّل المشهد بكاميرته بتلذُّذ وقد اعترته نشوةٌ بالغة!
ثُمّ علا صوتُ الطلقات،مزمجراً هنا وهناك،وعلت الهتافات من جديد:
-هو مبارك عايز إيه؟عايز الشّعب يبوس رجليه؟
لا يا مبارك مش حنبوس بكرة عليك بالجزمة ندوس
لا أدري كيف بدا المشهد لإبراهيم من خلال عدسته،أمّا بالنسبة لي فقد بدا المشهد بسيطاً:إراداتٍ صغيرة اجتمعت معاً كَلَبِناتٍ صغيرة،لتصنع سدّاً شامخاً،أمّا من هو الصّانع،فإنّها يدُ الله،الّتي تقطف عنق الطُّغيان والطُّغاة،حين يحين وقت القطاف!هذه الرّوافد النحيلة،التقت في مصبٍّ واحد لتصنع نهراً عارماً!هكذا يصنع التاريخ،من مجموع هذه الإرادات!
اندفع النّاس أفراداً وجماعات،وكأنّهم على موعدٍ مسبق،وماجت هذه السّاحة العارية بالحياة فجأة،ليولد التاريخ فيها من جديد!
كلّ يوم كان إبراهيم يطوف بكاميرته مسجّلاً التفاصيل،أمّا النّساء فقد تعلّقت أبصارهنّ بشاشة محطّة الجزيرة،
وحين تنشدّ عضلات وجه إبراهيم وتختلج،ويُسقط الكاميرا لهنيهة،أدرك أنّ مصاباً قد سقط برصاص الجيش أو الشّرطة،ولا ندري إن كان قتيلاً أو مصاباً فقط!ويقطع المشهد ليقول:
-كبف أستطيع أن أشاهد القتل دون أن أمنعه؟!وكأنني أشاهد فيلماً سينمائيّاً!
-فلننتقل إلى قلب المعمعة!إذا كان هذا ما تريده؟!
-حتّى ذلك لن يجدي!فأنت الا تدري متى وأين يصيب القدر!الأحداثُ ستجري في مجراها!
النّعوش تطوف فوق رؤوس الجماهير! وتعلو صيحات التكبير:الله أكبر..الله أكبر!
خيّل إلينا جميعاً أنّنا مكثنا دهراً،أو دهوراً،حتّى جاء فَرَجُ الله أخيراً،في يوم 11 فبراير2011،وأعلن عمر سليمان مدير المخابرات المصريّة تنحّي حسني مبارك عن السُّلطة،وتسليمها إلى المجلس العسكري،وأصيبت الجماهير بجنون الفرحة،وزغردت،وبكت،وأعلنت انتهاء عهد،وبداية عهدٍ جديد!

قد يعجبك ايضا