الروائي المصري أدهم العبودي: المؤسّسات الثقافية المصرية تعاني من بلادة ومن جمود و”كلاسيكية” إدارية
شبكة وهج نيوز – عمان : مصر يجب أن تظل رائدة التنوير والفن والأدب، تعلمنا من مفكريها وكُتابها وفنانيها الكثير ونرتبط بعلاقات طيبة وصداقات مع مبدعيها كونها قلب وروح الأمة العربية، لا نبالغ لو قلنا بدون مصر الجميلة وما تبدعه للكون تخسر الإنسانية الكثير من المعاني الجمالية والحضارية.
نلتقي اليوم أدهم العبودي روائي مصري لنحلق في قضايا أدبية وفنية ونسافر معه في رحلة سريعة وقصيرة لنناقش بعض القضايا الثقافية والفنية ولنكتشف بعض رواياته وهو يقول أنه لا يفهم أو يعترف بالخطوط الحمراء؟ وشخصياته معظمها مستقى من الواقع، شخصيات تعيش معه، وحوله، أرواح معذّبة يرصد عذاباتها على أوراقه، نفوس مهشّمة، مشروخة، هؤلاء هم أبطاله الحقيقيون.
*يزداد الفساد المرعب في الهيئات الثقافية الرسمية، ما البدائل أمام المبدع؟
. سؤال عسير، وإجابته أكثر عسرًا، طيّب، لنا زمن نتحدّث عن فساد الهيئات الثقافية الرسمية، ولم يتحرّك الأمر قيد أنملة، لا يوجد بديل حقيقي ومغاير إلاّ الهيئات غير الرسمية، والتي تعلّقت بها آمال المثقّفين، كساقية الصاوي، وأتيليه القاهرة، والمنتديات، إنّما، ما بدا عقب ذلك، أنّ الموضوع أكثر عمقًا، فالفساد هو فساد البشر في الأساس، القائمين على المسألة الثقافية، سواء رسمية أو غير رسمية، حيث بات يتدخّل الهوى والمزاج بشكل غير منطقي في المسائل التي لا ينبغي أن يحكمها الهوى.
*هل مات ضمير الإتحادات الأدبية العربية فصمت الجميع على ما يحدث من عدوان سعودي عربي على اليمن؟ ما موقفكم تجاه هذه القضية؟
.المثقف يتّخذ موقفه تبعًا لما يفرضه الظرف الإعلامي، موضوع اليمن شائك، ملتبس على الجميع، وفيه أقاويل كثيرة، وتأويلات أكثر، لا يمكن بأيّة حال تكوين رؤية حقيقية إلاّ بعد اتضاح الأمور كلها دون زيف إعلامي.
*مصر منارة الإشعاع الثقافي والأدبي هل من تراجع؟ ما أسبابه وكيف من الممكن إنقاذ هذه الإنهيارات؟
. قطعًا لا يختلف أحد أن دور مصر قد تقهقر كثيرًا في تلك السنوات الأخيرة، نظرًا لما تعانيه المؤسّسات الثقافية من بلادة ومن جمود و”كلاسيكية” إدارية، نظام ثقافي رتيب، مؤسّسات فاسدة، كيف يمكن لبلد أن تكون منبرًا وهي لا تعتدّ أو تحترم مثقّفها الحقيقي؟ الغاية غلبت الوسائل في القطاعات الثقافية، كذلك عدم الالتفات للثقافة من قِبل الدولة أمر خطير، لننظر إلى البلدان العربية الأخرى، ودعني أضرب مثلاً بالإمارات، هناك آلة ضخمة تُنفق على الثقافة، وبجدّية بالغة، لأنّها بلد تعرف قيمة الثقافة وما يمكن أن تساعد به تجاه نهضة المجتمع. ولا شيء قد ينقذ مصر من هذه الانهيارات إلاّ الوعي، المرتبط بالضمير الثقافي.
* المواطن العربي يعاني الجوع والقهر والجهل ويرى أن الكتابات تغرد خارج السرب.. ما المطلوب من كتابنا في هذه المرحلة الحسّاسة؟
.المطلوب هو التزام الشفافية والتعبير عن الواقع بشكل حيادي، والخوض في قضايا المجتمع بجرأة ودون وضع خطط مسبقة أو انتهاج مناهج الحسابات الخاصة، هنا يمكن للمبدع أن يعبّر عن ضمير مجتمعه.
*المتابع للدراما المصرية يجدها باهتة مملة ونصوصها فارغة من التشويق والفكر…هل توجد سياسة تسطيح؟
. لا أظن أنّه توجد سياسة تسطيح متعمّدة، حيث إنّ التسطيح في حدّ ذاته أصبح عُرفًا مجتمعيًا، الأمر فقط ينحسر في الجهل، وتدنّي الوعي العام بشكل غير مسبوق، والبحث عن التربّح بلا معايير أو ضوابط، والرقابة يجب أن تكون على جودة المطروح لا على قضاياه التي يطرحها، يعني يمكن أن نطرح القضية.. أيّة قضية.. ولكن كيف نطرحها من خلال الدراما؟ كتّاب الدراما للأسف لا يُجهدون أنفسهم من أجل الارتقاء بوعي وثقافة المتلقّي، فصار الاستسهال يتحكّم في أياديهم وفيما يقدّمونه.
*لماذا لا توجد استفادة من الجيل الأدبي والروائي الجديد؟ هل الأبواب أمامكم موصدة؟
. يحيلنا هذا إلى منطقة الفساد التي أثرتها، الجيل الجديد استسهل كذلك، الأبواب ليست موصدة قدر أنّه لا يوجد جديد في غالب الأمر، إلاّ من خلال محاولات تعُد شاذّة وسط هذا الكّم من الابتذال، وربما لأنّ هناك كُتل بعينها تسيطر على الوضع كلّه، ممّا أدّى إلى تلك الأزمة.
*حدثنا عن منهجك الروائي؟ ومنابعك الفكرية والفلسفية؟
. المنهجية في الكتابة يُفقدها حميمتها وعفويتها، فقط وضع إطار عام للرواية نفسها، وليس إطارًا للكتابة، يعني كلّ رواية ولها ظروفها وحالتها، المهم أن تطلق ليدك العنان، ولخيالك، ولا تدع حدًا يوقفك أو يعرقلك، وقتها، يمكن للرواية أن تتجاوز المطلوب منها، تتجاوز المقروئية للتاريخ، هكذا يمكن أن تخلّد الرواية. أمّا منابعي الفكرية فهي متعدّدة، أنا أقرأ في كلّ المنابع، أعشق أمل دنقل ومحفوظ، أحب تاريخ سليم حسن، أقرأ للرافعي، أحب ماركيز وكويلو وج. م. كوتسي، لا توجد لديّ أنماط في التلقّي.
*في روايتك الطّيبيّون جنحت للأسطورة.. ألم تشعر بالقلق من عدم فهم القارئ؟ ماذا أردت القول في هذا العمل؟ وكيف كان ردّ فعل القراء؟
. في البداية، تخوّفت جدًا من الرواية، لأنّها موجّهة بإسقاطاتها السياسية على الوضع الحالي الذي تمرّ به البلاد، وكان من المفترض أن تقوم بطباعتها الدار العربية للعلوم ناشرون لولا أنّي اتفّقت بشكل رسمي مع دار الربيع العربي، كانت الإسقاطات من خلال استخدام الأسطورة كرمز، والتاريخ كمتّكأ، واردت أن أطرح وجهة نظري في الحالة السياسية للبلاد عن طريق الرواية، ولم أتوقّع نجاحها، لأسباب منها طبيعة الفترة التي تناولتها، هي فترة تاريخية صعبة للغاية، ومنها اللغة التي اتّخذتها للكتابة، وكنت أعتقد أنّها نوعية، فوجئت بأنّ القرّاء قد استقبلوها بصدر رحب، وفوجئت بنجاح الرواية جماهيريًا.
* هل تفكر بالمتلقي والقارئ خلال مرحلة الكتابة؟
. ليس شرطًا، في الحقيقة، يمكن أن تضع ضوابطك وتصوّراتك كفرضية على القاريء، إمّا تقبّل هذا، وإمّا لا، لكن أن تستهدف كتابتك القاريء، فيصبح الأمر وكأنّك تفصّل له ثوبًا مناسبًا لجسمه، فهذا مرفوض، أنا ضدّ الكتابة لأجل قاريء معيّن، فلنكتب للتاريخ، ولنكتب كي نصيغ ما يعتمل بدواخلنا عن طريق الأوراق.
* كيف تنظر للمناخ النقدي المصري اليوم؟
. لا يوجد ناقد حقيقي في مصر الآن، النقد أصبح سبّوبة، بل الأدهى أصبح بالأجرة، وهذا غير منطقي.
* هل تواجه صعوبة في النشر؟
. أبدًا، على العكس، كثير من دور النشر تحدّثني في انتظار الرواية القادمة، حينها يكون لي الحق في انتقاء الدار الأصلح لروايتي.
*كيف يمكن للشباب تجاوز هذه الإشكالية؟
. أنا مشفق على الأقلام الحقيقية، التي تتعسّر بها السبل، لكن، كن على ثقة من أنّ الحقيقي طريقه واضح، ومرسوم، والجدّية سوف تثمر أكيد، ليس على الشباب الحقيقيين أن ييأسوا.
* متاهة الأولياء روايتك الجديدة.. حدثنا عنها وفي أي عوالم تحلق؟
. في الحقيقة هي ليست رواية جديدة، هي إعادة طباعة، الرواية صدرت عن دار الأدهم في 2013، وتتحدّث عن الفتنة الطائفية في الصعيد، وأسبابها، وإلام تؤدّي، من خلال عرض ما يعانيه بعض الشخوص في مجتمع قرية مغلق، ومدى تغلغل الأمراض الإجتماعية داخل نفوسهم.
* يلاحظ أن بعض الكُتاب العرب يميلون لرواية السيرة الذاتية لهم، بعضهم يصنع لنفسه هالة مقدسة وتضخيما كبيرا للذات كيف تنظر لهذه الحالة.. كيف تفسرها.. وما دلالاتها؟
. ليس لديّ تفسير منطقي، السيرة الذاتية كتابة أيضًا، ولو اختلفنا على محتواها، إنّما، لابدّ أن نضع في اعتباراتنا نرجسية الأديب، ونظرته لنفسه أنّه دومًا على حق، وأنّ المواقف العابرة والتافهة في حياته لها تأويلات متعدّدة، والتي يمكن أن يشكّل بها الأديب ويصوغ دلالات ذاتية جدًا.
*في الغرب وأمريكا وبلدان كثيرة تعد الرواية مصدرا خصبا للسينما، في عالمنا العربي تركن في رفوف بإردة لماذا هذه الحالة؟
. هذه حالة مستحدثة، كان هذا يحدث في منتصف القرن الماضي، ربما لسبعينيات الألفية الماضية، لكن، مع تردّي الذوق العام المجتمعي، وغياب الوعي، لابدّ للقيمة أن تختفي قليلاً، وتظهر الفوضى والظواهر التي –في الغالبء ليس لها أيّة ابعاد حقيقية.
*هل العيب في أسلوب الرواية، أم بسبب تخلف السينما العربية؟
. كلاهما مشترك في الجريمة، كلا الطرفين استسهلا الأمر، فبات الابتذال عنصرًا من عناصر الثقافة الجمعية السائدة.
*ما المقلق في كتاباتك.. ومن أين تستقي شخصياتك؟
. في الحقيقة كلّ رواية ولها ظروفها الخاصة، لكن كتاباتي لعلّها تتّسم بالجرأة، وكسر “التابو”، سواء الجنسي أو الديني، ممّا يُقلق بعض دور النشر الكبرى، التي تنتهج سياسات آمنة ومُحافظة، هذا الأمر حدث معي في روايات عديدة، منهم أحدث رواياتي التي لم أتّفق مع دار على طباعتها بعد، رواية تتحدّث عن علاقة مسلم بمسيحية، تعرّضت لحالة اغتصاب من أحد الرهبان في أحد الأديرة، قطعًا كانت هناك تحفّظات كثيرة حين عرضتها على بعض الدور، وقيل لي بالنّص: لدينا خطوط حمراء! إنّما لا أفهم ما معنى الخطوط الحمراء؟ وشخصياتي معظمها مستقى من الواقع، شخصيات تعيش معي، وحولي، أرواح معذّبة أرصد عذاباتها على أوراقي، نفوس مهشّمة، مشروخة، هؤلاء أبطالي الحقيقيون .
باريس ـــ رأي اليوم ـــــ حاوره حميد عقبي
