“القائمة العربية المشتركة” في إسرائيل تشهد خلافات سياسية وشخصية تهدد استمرارها
وهج 24 : منذ تأسست القائمة العربية المشتركة في إسرائيل عام 2015، تصاعد النقاش العام حول ثنائية التمثيل والتأثير فيها بعدما أثارت ردود فعل فلسطينية وعربية مشجعة بصفتها مبادرة وحدوية في زمن الانقسامات. واليوم هناك من يراها فرصة للتمثيل السياسي لفلسطينيي الداخل وقضاياهم السياسية ومن بينها القضية الأم، وبين من يعتبر الوجود العربي في البرلمان الإسرائيلي وسيلة للتأثير من أجل مساواة مدنية وتأمين حقوق عالقة. ويتصاعد الجدل ويتجاوز أحيانا حدود الحوار ليتحول لما يشبه الشجار في الشهر الأخير بعدما بدأ النائب منصور عباس بطرح رؤية جديدة مفادها أن القائمة العربية ليست في جيب أحد، وأنه لا فرق بين يمين ويسار صهيونيين، مبديا استعداده للمناورة والليونة والتعاون مع الليكود الحزب الحاكم ورئيسه بنيامين نتنياهو في قضايا عينية، مقابل إحراز مكاسب للمواطنين العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل. في المقابل هناك أوساط سياسية ونواب من داخل المشتركة يرون بذلك استجداء وتوجها انبطاحيا طمعا بفتات. محذرين من أن نتنياهو كاذب ومحرض ولا يمكن التعاون معه وواجب النواب العرب في الكنيست السعي لإسقاطه.
وفي دراسة جديدة يحّمل مركز “مدى الكرمل” للدراسات الاجتماعية التطبيقية في حيفا، مسؤولية الخلافات المتصاعدة بين مركبات المشتركة للنائب منصور عباس. تحت عنوان ” القائمة المشتركة: الواقع ومستقبلها ” يرجح ” مدى الكرمل ” أن أبرز أسباب هذه الخلافات الداخلية التي تكس بهيبتها ومكانتها وشعبيتها في أراضي 48 طبقا لاستطلاعات متتالية هو تصريحات وسلوك النائب منصور عبّاس عموما، وفي الآونة الأخيرة خصوصا والتي يُدْرجها ضمن ما يسمّيه “توجُّهه السياسيّ الجديد” في التعاطي مع الحكومة والمؤسّسة الإسرائيليّتَيْن، ولا سيّما علاقاته مع حزب الليكود ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. من جهته يقول عباس إنه يتعامل مع نتنياهو لا كرئيس ” الليكود ” بل كرئيس للحكومة ضمن مساعيه كنائب منتخب لانتزاع حقوق مدنية للجمهور العربي.
تباين الموقف
يوضح “مدى الكرمل” أنه ينطلق في هذه الورقة من مقولة مُفادُها أنّ ما تمرّ به القائمة المشتركة نابع من طغيان توجُّهات سياسيّة متفاوتة، وأحيانا متباينة، بين مركّبات القائمة المشتركة، أبرزها تبنّي فكرة الاندماج التام في اللعبة السياسيّة الإسرائيليّة، في سبيل التأثير في قضايا مدنيّة بعضها جماعي وبعضها يتمثّل في تحصيل إنجازات مطلبيّة عينيّة. وقد يعكس هذا حالة من التكيّف لدى بعض مركّبات القائمة المشتركة لحالة الأسرلة التي تتغلغل في المجتمع الفلسطينيّ. ويرى المركز أنه بدلا من مواجهتها بالعودة إلى خطاب سياسي وطني تَكون في مركزه الحقوقُ المدنيّة الجماعيّة، يُكرَّس ويُعاد إنتاجه عبْر توجه اندماجيّ في اللعبة السياسيّة الإسرائيليّة بصورة بدائيّة، وكأنّ الحقوق المدنيّة في حالة الفلسطينيّين في إسرائيل تُحقَّق عبْر تغيير / تغييب مواقف سياسيّة.
زورق لاجتياز النهر
تُظهر الأزمة الأخيرة التي تمرّ بها القائمة المشتركة، كما كانت لحظات التأزّم السابقة، على نحوِ ما حصل من انقسام في القائمة عشيّة انتخابات الكنيست في نيسان عام 2019، أن القائمة المشتركة لم تكن نتاج مشروع سياسي جماعي عُبِّرَ عنه في تشكيل قائمة وحدويّة، بل كانت نتاج ظروف طارئة أهمّها رفع نسبة الحسم، ولذا فقد كانت زورقا لعبور النهر. فرضت هذه الظروف على الحركات والأحزاب المشارِكة في الكنيست عام 2015 تشكيل وحدة انتخابيّة لخوض الانتخابات، ولذا ليس من قبيل المصادفة أن القائمة المشتركة لم تضمّ مركّبات أخرى إلى داخلها.
ويتفق “مدى الكرمل” مع مراقبين ومحللين كثر بأنه خلال السنوات الخمس الماضية، لم تنجح القائمة المشتركة، على المستوى البرلماني، في الاتّفاق على منظومة عمل جماعيّة، ويظهر ذلك في العمل المستقلّ للقوائم الأربع في كثير من الأمور، ولم تنجح أن تنسّق في ما بينها في مفاصل أخرى. ومنحت غالبيّة الجمهور العربي القائمة المشتركة في دورة الانتخابات الأخيرة في آذار (2020) ثقة كبيرة، بحصولها على 15 مقعدا، ونسبة تأييد تجاوزت 80% من جمهور الناخبين العرب، إذ وفّرت البيئة السياسيّة الإسرائيليّة على نحوٍ استثنائيّ فرصةً لتحقيق مصداقيّة لخطاب القائمة عشيّة الانتخابات بشأن قدرتها على المساهمة في إسقاط حكومة نتنياهو بل المساهمة في إسقاط ” صفقة القرن “. بَيْدَ أنّ قيادة القائمة المشتركة، بمختلف مركّباتها، لم تدرك حقيقتَيْن معروفتَيْن وفق رؤية “مدى الكرمل”: الأولى أنّ هذه البيئة متغيّرة، وما خلَقَ هذه البيئةَ هو موقف حزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان بعدم الدخول في ائتلاف حكومي يميني برئاسة نتنياهو عشيّة انتخابات نيسان عام 2019. والحقيقة الثانية هي أن النظام السياسي الإسرائيلي – بوصفه نظاما استعماريا وإقصائيا ينطلق من تفوُّق وأفضليّة المجموعة اليهوديّة في تقرير مصير نتائج الانتخابات والانحراف عن التفوّق والأفضليّة هذين كان أحدَ الأسباب المركزيّة التي أدّت إلى اغتيال يتسحاق رابين عام 1995 بعدما اعتمد على نواب عرب للمصادقة على اتفاق أوسلو في الكنيست.
التأزّم السياسي الأخير
الأزمة السياسيّة الحاليّة التي تمرّ بها القائمة المشتركة ليست الأولى، وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة برأي “مدى الكرمل” الذي ينبه أن الصراع داخل القائمة لم يبدأ مع تصريحات عبّاس، بل هو صراع متراكم، وجاءت هذه الأخيرة لتصعّده. منوها أن هذه الصراعات قد تُفضي إلى تفكيك القائمة المشتركة عشيّة دورة الانتخابات القادمة خاصة وأن هناك مشروع قانون مطروحا من قبل “الليكود” لخفض نسبة الحسم، وعودة الأحزاب الصهيونية للشارع العربي.
دور نتنياهو الكيدي
وطفت أزمة المشتركة، في هذه المرحلة، على السطح في أحداث عدة، من أهمّها ما حدث في اجتماع قبل أسبوعين للجنة مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي التي يرأسها عباس، والتي دُعِيَ إليها نتنياهو. تولَّدَ عن هذه الجلسة صراع داخل المشتركة، كان من بين مظاهره تصريحاتُ عبّاس المادحة للشرطة الإسرائيلية في مواجهة الجريمة. وقد قال النائب إمطانس شحادة، عضو التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ في القائمة المشتركة، “إنّ قرارات عبّاس لا تجري في إطار التنسيق مع المشتركة”. وتابع: “نحن نريد عملا جماعيا لكي نكون أقوى أمام المؤسّسة، وقضيّة العنف تهمّ الجميع”.
أمّا السكرتير العامّ للجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة، منصور دهامشة، فقد أكّد على وجود مشكلة التنسيق في القائمة المشتركة بناءً على ما حدث في جلسة مكافحة العنف بقوله: “إنّه أمر غير طبيعيّ في ظلّ تصرّفات لم يُتّفَق عليها في القائمة المشتركة، وهذا سبب عتبنا على منصور عبّاس”. واعتبرت النائبة سندس صالح (عضو الكنيست عن الحركة العربيّة للتغيير برئاسة الطيبي) أن ما يحدث “لا يتعدّى كونه تعدّديّة في الآراء لا أكثر”.
رؤية منصور عباس
وتوالت تصريحات منصور عبّاس وعدم نفيه التنسيق مع نتنياهو، مدّعيا أنّه أتى بخطاب سياسي جديد في السياسة العربية. ففي بيان أصدره أشار إلى أن أسلوب المشتركة هو أسلوب “شعبوي”، وذكر في بيانه أنّه سيطلب من القائمة المشتركة التخلّي عن هذا الأسلوب في الانتخابات القادمة، حيث ذكر في بيانه هذه النقاط تحديدا: نريد للقائمة المشتركة أن تكون قادرة على تحقيق مطالب الشعب الذي انتخبها، وهذا لن يحدث إذا استمررنا بأسلوب المعارضة والوقوف على دكّة الاحتياط. ما أقوله وطرحته هو تغيير لـمَوْضعة العرب في الخارطة السياسيّة في الدولة. ما كنت قد قلته بكلّ بساطة هو أنّنا كعرب لسنا بحاجة إلى أن نكون جزءا من المعسكرات الإسرائيليّة الثلاثة، لا يمين، ولا يسار، ولا مركز، بل نحن بحاجة إلى أن نكون معسكرا بحدّ ذاتنا يقف على الحياد من خلافاتهم، وأن نتحرّك بقراراتنا وَفق مصلحة مجتمعنا وشعبنا دون المسّ أو التنازل عن ثوابتنا، وهذا ما قد يجعل المشتركة قادرة على تحقيق مطالب الشعب الذي انتخبها.
خاتمة: أزمة سياسيّة موصولة أَمْ منفردة؟
ويقول “مدى الكرمل” إن نهج منصور عبّاس لا يُعتبر نهجا جديدا بعكس ما يدعيه، بل هو نهجٌ اتّبعه في السابق سياسيّون من أحزاب عربيّة انبثقت وتبعت للأحزاب الصهيونيّة الحاكمة في الكنيست منذ الانتخابات البرلمانية الأولى عام 1949 وهو نهجٌ ينزع السياسةَ ويغيّبها عن القضايا المطلبيّة، ويتعامل مع هذه المطالب على أنّها مَكْرمة يحتاج الشخص إلى تغييب مواقفه للحصول عليها، فضلًا عن حصر عمل البرلمانيّ العربيّ في أن يكون وسيطا بين الجمهور والحكومة.
وتخلص ورقة “مدى الكرمل” للزعم أن فكرة خطاب وسلوك عبّاس تنطلق من أنّ العرب ليسوا يمينا ولا يسارا ولا وسطا، وليسوا في جيب أحد، ومن فكرة أنّه لا فرق بين هذه التيّارات. وبرأي المركز ينطلق هذا التبرير من اعتبارٍ ملخَّصُهُ: “بما أنّه لا فرق بينهم، يمكن التعامل معهم جميعا حسب المصالح التي يريد تحقيقها هذا السلوك والخطاب. لكن هذا الخطاب يخطئ في مجموعة من المسائل : أوّلًا: الخطاب السياسيّ الوطنيّ الذي يتعامل مع هذه التيّارات على أساس أنّه لا فرق بينها يعتبرها كلّها جزءا من منظومة استعماريّة، بغية عدم التعامل معها كلّها، لا من أجل تبرير التعامل معها حسب المصالح”.
ويتساءل في هذا الصدد، فإن مقولة “الوقوف على الحياد” التي جاءت في بيان عباس خطيرة، فكيف يمكن الوقوف على الحياد، وجزء من صراعاتهم، يتعلق تارة بقضايا سياسيّة وطنيّة تهمنا، وتارة بقضايا مدنيّة تُؤثر علينا؟ ثانيًا: رغم الخطأ السياسيّ والتاريخيّ الذي وقعت فيه القائمة المشتركة في التوصية على غانتس، فإنّ الخطأ الأوّل لا يبرّر ولا يُشَرْعِن الخطيئة التي تلته. ثالثًا: رغم الخطأ، ثانيةً، في التوصية على غانتس وما حمله ذلك من آثار على تعزيز الأَسْرلة فإنّ ذاك جرى بإجماع سياسيّ لكن الإجماع على فعل التوصية لا يقلّ خطورة عن فعل التوصية. رابعا: بات من الواضح أن هذا الخطاب يقرأ توجّها في صفوف الفلسطينيّين في إسرائيل مؤيّدا للسعي إلى الاندماج في اللعبة السياسية الإسرائيلية كمعارضة إسرائيلية عادية، ابتغاءَ التأثير وتحصيل حقوق مطلبيّة، ولكن هل على القيادة السياسيّة الوطنيّة التكيُّفُ مع هذا التوجّه، أم السعيُ إلى تغييره وإعادةُ النفَس السياسيّ والنضاليّ عبْر بناء مشروع سياسيّ جماعيّ مشترك تلتفّ حوله الجماهير الفلسطينيّة؟
حرب النجوم
خامسا: يتعامل هذا الخطاب مع مفهوم المواطَنة تعاملا مدنيا بدائيا، دون إعطائها جوهرا سياسيا متحدّيا عبْر التعامل مع المجموعة الفلسطينيّة كمجموعة وطن قوميّة لها حقوق جماعيّة، تُحصّلُها بالنضال الجماعيّ وتنظيم المجتمع، بل يتعامل معها وكأنّها مجموعة سكّانيّة كسائر المجموعات الإثنيّة المهاجرة في إسرائيل، كالمجموعة الأثيوبيّة والروسيّة -على سبيل المثال. سادسًا: روّجت القائمة المشتركة فكرةَ قدرتِها على إسقاط اليمين ونتنياهو، وهو توجه خاطئ لكنها كانت دافعة للمزيد من التصويت للمشتركة، ولا سيّما أنّ نتنياهو حرّض في دورات الانتخابات السابقة على العرب. فإذا كان هذا أحدَ مصادر قوّة المشتركة، فإنّ نهج عبّاس هو نقيض لهذه الفكرة، بصرف النظر عن صحّتها وعدم صحّتها.
ويخلص “مدى الكرمل” للتمني بأن تكون القائمة المشتركة رافعة نضاليّة وسياسيّة ووطنيّة للمجتمع الفلسطينيّ، وهذا ما سيحدّد حضورها أو عزلتها عن الجماهير، وليست جالبة لخطاب قديم – جديد يقطعها عن التراكم السياسيّ والوطنيّ، الذي كان أحد أدوار المشتركة الاستمرار به وتطويره. في المقابل هناك مراقبون يذهبون إلى أبعد من رؤية “مدى الكرمل” بالإشارة لهدف إسرائيلي رسمي غير معلن بتفكيك المشتركة لما تتركه من مفاعيل هامة على وعي فلسطينيي الداخل وتعزيز كينونتهم كـأقلية وطن قومية مثلما تؤثر باتجاه تمييع الطابع اليهودي للدولة وجعلها ثنائية القومية.
كما أن “مدى الكرمل” يقلل من دور “حرب النجوم” والصراعات الشخصية على الواجهة علاوة على التباينات العقائدية كما تمثل في الخلافات المعلنة والحدة حول الموقف من المثليين.
المصدر : القدس العربي