فادي السمردلي يكتب أشباه النقاد 

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

👈*المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉*

 

في كل مرحلة سياسية مضطربة، يظهر على السطح أشخاص يظنون أن مجرد امتلاكهم حسابًا على وسائل التواصل أو منبرًا صغيرًا يمنحهم حق الادعاء بأنهم نقاد فيتحدثون بثقة مفرطة، يوزعون الاتهامات والنصائح، ويقدمون أنفسهم كحراس للوعي العام، بينما الحقيقة أبسط بكثير: بعضهم لا يمتلك الحد الأدنى من الأهلية التي تخوله أن ينتقد أصلًا ليس لأن النقد حكر على أحد، بل لأن النقد مسؤولية، ومن لا يعرف أساسيات ما يتحدث عنه، ولا يملك تجربة أو معرفة أو حتى اتساقًا في موقفه، يصبح أقرب إلى الضجيج منه إلى الرأي.

الأخطر أن بعض هؤلاء يختبئ خلف صور جينية قديمة وشعارات مستهلكة، يحاول تقليد شخصيات كانت مؤثرة في زمن مضى، أو يستدعي رموزًا فقدت صلاحيتها اليوم، وكأن التاريخ يمكن استعارته بالنسخ واللصق فيكررون نفس العبارات، نفس النبرة، نفس الادعاء بالبطولة الفكرية، دون أن يمتلكوا مضمونًا حقيقيًا فهم في الحقيقة لا يصنعون موقفًا، بل يقلدون موقفًا فلا ينتجون فكرة، بل يعيدون تدوير فكرة ماتت منذ سنوات فهم يعيشون على أمجاد لم يصنعوها، ويتحدثون بلسان معارك لم يخوضوها، ويظنون أن تقمص دور المثقف أو المناضل يمنحهم تلقائيًا صفة الناقد.

المحور الأول في هذه الظاهرة هو أزمة الأهلية فالنقد ليس صراخًا، وليس منشورًا غاضبًا، وليس سلسلة اتهامات عشوائية فالنقد يتطلب معرفة، قراءة، فهمًا للسياق، وقدرة على التفريق بين الرأي والمعلومة ولكن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا أشخاص لا يميزون بين النص القانوني والتعليق الشخصي، ولا بين التحليل والتهجم، ومع ذلك يتصدرون المشهد وكأنهم خبراء

وببساطة، لا يمكن لشخص لا يفهم قواعد اللعبة أن يدّعي الحكم على نتائجها.

المحور الثاني هو الانتقائية الفجة في المبادئ فبعض من يرفعون راية الحرية والدولة المدنية يطبقونها فقط عندما تخدم مواقفهم، ثم يتخلون عنها فورًا عندما تمس مصالحهم أو تكشف تناقضاتهم. يهاجمون الشعبوية عند خصومهم، ويمارسونها بحماس عندما تكون وسيلة سهلة لجمع التصفيق فيتحدثون عن احترام القانون، ثم يبررون تجاوزه إذا كان ذلك يخدم روايتهم فهذه ليست مواقف فكرية، بل انتهازية مكشوفة والمشكلة أن الجمهور لم يعد ساذجًا كما كان فالناس ترى وتفهم وتلاحظ من يبدل مبادئه بحسب اتجاه الريح.

المحور الثالث هو التضخم الإعلامي مقابل الفقر المعرفي

ففي زمن وسائل التواصل، أصبح الوصول إلى الجمهور أسهل من أي وقت مضى، لكن سهولة الوصول لا تعني جودة المحتوى فهناك من تضخم حضوره الإعلامي بينما بقي رصيده المعرفي ضئيلًا فيتحدث في كل قضية، يعلق على كل حدث، ويقدم نفسه كمرجع في كل موضوع، من السياسة إلى الاقتصاد إلى القانون، دون أن يمتلك خلفية حقيقية في أي منها وهذا النوع من الخطاب يخلق ضجيجًا كثيفًا، لكنه لا ينتج وعيًا بل على العكس، يربك النقاش العام ويشوش على الحقائق.

أما المحور الرابع، وهو الأهم، فهو غياب المسؤولية الأخلاقية في النقد فالناقد الحقيقي يعرف أن كلمته قد تؤثر في الناس، وقد تخلق رأيًا عامًا، وقد تشعل توترًا أو تهدئه لذلك يزن عباراته، ويتأكد من معلوماته، ويتحمل نتائج ما يقول. أما أشباه النقاد، فلا يرون في الكلام سوى وسيلة للظهور فيكتبون بلا تدقيق، ويتهمون بلا دليل، ويتراجعون بلا اعتذار فالنقد عندهم ليس رسالة، بل استعراض.

المشكلة إذن ليست في وجود النقد، فالنقد ضرورة لأي مجتمع حي فالمشكلة في أن الساحة امتلأت بأشخاص يرفعون لافتة النقد دون أن يدركوا ثقلها فيتحدثون كثيرًا، لكنهم لا يضيفون شيئًا. يهاجمون، لكنهم لا يقدمون بديلًا ويطالبون بالمساءلة، لكنهم يرفضون أن يُسائلهم أحد.

وفي النهاية، يبقى السؤال البسيط الذي يهرب منه كثيرون

قبل أن تنتقد الآخرين… هل تمتلك أنت الحد الأدنى من الأهلية التي تخولك أن تفعل ذلك؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا