الاحتلال الإسرائيلي هو الملوث الأول للبيئة في الضفة الغربية وقطاع غزة
الملوث الأول والأخطر للبيئة في الضفة الغربية وقطاع غزة هو سيطرة إسرائيل على هذه المناطق وسياسة الاستيطان. ليست مجرد كلمات استخدمها رئيس الحكومة الفلسطينية، محمد اشتية، في مؤتمر المناخ في غلاسكو في هذا الأسبوع، لكنها تلخص خطابه في المؤتمر. مشاركة اشتية لم تذكر في وسائل الإعلام الدولية، بل وأقل من ذلك في وسائل الإعلام الإسرائيلية. هذا دليل آخر على إبعاد القضية الفلسطينية عن الاهتمام الدولي، لكن المس بالبيئة لا يختفي بسبب ذلك.
هناك أبحاث ومقالات عن وضع جودة البيئة في القطاع والضفة، التي تربط بينه وبين سياسة إسرائيل (منها تقرير مفصل للأمم المتحدة من العام 2020 وتقارير نشرتها المؤسسة الفلسطينية القانونية “الحق” طوال سنين، ومقال نشره في 2019 موقع “الشبكة” التي هي طاقم تفكير فلسطيني). ولكن لا توجد حتى الآن أي عملية قياس كمية شاملة تترجم جميع تصرفات الحكومة الإسرائيلية والمواطنين الإسرائيليين في الأراضي التي احتلها إسرائيل في 1967 إلى بيانات منفصلة عن دورها في ظاهرة الاحتباس الحراري.
في تقرير مراقب الدولة عن فشل إسرائيل في تقليل انبعاث غازات الاحتباس الحراري، لم تذكر هذه الأمور. في الأصل لم يتم فحص تنبؤ الأمم المتحدة الخطير الذي صدر في 2012 وهو أن القطاع لن يكون قابلاً للعيش فيه في 2020 إذا لم تغير إسرائيل سياستها تجاه هذا الجيب. ولكن استنتاجاً بارزاً لتقرير مراقب الدولة قد يلخص تجاهل إسرائيل لإسهام الاحتلال في التلوث البيئي المحلي والعالمي، وهذا الاستنتاج هو “في وضع صراع أو إمكانية كامنة لصراع بين الأهداف الرئيسية للوزارات الحكومية وهدف خفض انبعاث غازات الانحباس الحراري، فإن الوزارات تفضل الدفع قدماً بالأهداف التي هي في صلب مسؤوليتها الوزارية على خفض الانبعاث، باستثناء وزارة حماية البيئة”.
كما يتبين من السياسة المعلنة والمطبقة، فإن أهداف الحكومات، بما في ذلك الحكومة الحالية، هي توسيع المستوطنات وإغراء المزيد من اليهود الإسرائيليين ويهود الخارج بالاستقرار في مستوطنات الضفة الغربية وضمان استمرار السيطرة الكاملة على حوالي 60 من الضفة الغربية وتخليد الفصل بين القطاع والضفة والفصل بين السكان الفلسطينيين والسكان اليهود وتعويد العالم على واقع الجيوب الفلسطينية المنفصلة والمعزولة كـ “حل”. هناك هدف ينبثق عن ذلك وغير معلن، وهو إضعاف ممنهج للاقتصاد الفلسطيني. لكل هذه الأهداف ثمن على شكل إضرار مميز بالبيئة.
إسفلت في كل مكان
إسرائيل تمس بمنظومة المناخ بواسطة تغطية الأرض بإسفلت زائد وبناء هدري، لأهداف أيديولوجية، على حساب الأراضي الفلسطينية المفتوحة والخضراء. البناء لليهود واسع جداً، من أجل زيادة قوة جذب المستوطنين والسيطرة على أكبر قدر من الأراضي الفلسطينية.
إسرائيل تقيم بنى تحتية لشوارع مزدوجة كجزء من فلسفة الفصل بين المجموعتين السكانيتين والضم الفعلي. الهدف المسيطر في تخطيط الشوارع الجديدة هو إرضاء المستوطنين حاضراً ومستقبلاً، أي زيادة عددهم وتقريب المستوطنات من إسرائيل وتقصير مدة السفر بين المستوطنات وإسرائيل. السيارات الفلسطينية تشجع وتجبر على السفر في شوارع فرعية موازية وتجاوزية. في جزء كبير من الشوارع المخصصة للمستوطنات ومنها إلى داخل إسرائيل، يحظر السفر على الفلسطينيين أو أنه لا يوصلهم إلى أي مكان.
أيضاً آلاف الأمتار المربعة في الضفة مغطاة بالإسفلت ودون أي هدف مدني، وشوارع أمنية تحيط بالمستوطنات على حساب الأراضي الزراعية والمراعي للفلسطينيين، وشوارع تم شقها على طول جدار الفصل المتعرج والمخصصة فقط للسيارات العسكرية. لذلك، يجب أن نضيف أيضاً اقتلاع الأشجار وتدمير الأراضي الزراعية ومنع الوصول إلى مناطق زراعية بذرائع أمنية (أيضاً في القطاع) بسبب عنف المستوطنين وتوسيع المستوطنات والبنى التحتية فيها.
غازات الاحتباس الحراري
هناك انبعاث زائد للغازات في المناطق بسبب قيود الحركة ومنع التطوير. المسافات ومدة السفر بين الجيوب الفلسطينية والجيوب الفرعية، أي القرى المحيطة ومدينة المحافظة، زادت بسبب الحواجز الثابتة والمتحركة والمناطق التي يحظر دخول الفلسطينيين إليها مثل الكتل الاستيطانية والمستوطنات. إطالة مدة السفر يعني استهلاكاً زائداً للوقود.
إلى جانب الارتفاع العام في عدد السيارات الخاصة، فإن الازدحامات المرورية تحدث بسبب حواجز متحركة على الشوارع وفي عنق الزجاجة التي تخلقها الحواجز على مداخل المدن. السيارات التي تزحف في الازدحامات المرورية تطلق معدلاً أعلى من الملوثات مقارنة بالسفر المتواصل. في بحث من العام 2018 وجد معهد الأبحاث التطبيقية الفلسطيني “أريج” أن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية يبدد حوالي 80 مليون لتر وقود إضافية في السنة بسبب التوقف في الحواجز وإغلاق مناطق أمام حركة فلسطينية وسفر عبر الطرق الالتفافية. حسب البحث، هذا الأمر ينعكس في زيادة 196 ألف طن من ثاني أوكسيد الكربون التي تطلق في الهواء. الزمن الذي يذهب هباء قدر بنحو 60 مليون ساعة عمل في اليوم، بتكلفة تبلغ 270 مليون دولار.
إسرائيل تسيطر على مصادر المياه في كل البلاد، لكنها تستثني قطاع غزة عن باقي أجزاء البلاد ولا تربطه بشبكة المياه القطرية. هكذا، على قطاع غزة الاكتفاء بجزء من خزان الشاطئ المائي القريب من حدودها المصطنعة والذي لا يعطي كميات مياه تكفي للسكان الذين يبلغ عددهم 2 مليون نسمة. بسبب سحب زائد من هذا الخزان الجوفي لمدة ثلاثين سنة، فإن المياه الجوفية تلوثت و96 في المئة من المياه هي غير صالحة للشرب ويجب تنقيتها في منشآت خاصة. التنقية تستهدف كمية كبيرة من الوقود كل يوم. المياه التي تتم تنقيتها تنقل بسيارات إلى البيوت، الأمر الذي يشكل انبعاثاً زائداً لغازات الاحتباس الحراري.
إسرائيل تحدد حصة من المياه التي يسمح للفلسطينيين باستخراجها واستهلاكها أيضاً في الضفة الغربية. بسبب الكمية المنخفضة، فإن تدفق المياه عبر الأنابيب ضعيف، بالأساس في أشهر الصيف، وهذه المياه لا تصل إلى أحياء فلسطينية كثيرة في مناطق مرتفعة في المدن أو في قرى مختلفة. الحل يستهلك كمية كبيرة من الوقود، ونقل صهاريج المياه بواسطة شاحنات وضخ مياه للخزانات على الأسطح وآبار المياه.
إسرائيل أيضاً تمنع عشرات القرى وتجمعات الرعاة والمزارعين، بالأساس في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل، من الارتباط بشبكة المياه. بناء على ذلك، فإن التجمعات الفلسطينية الفقيرة هذه مرتبطة بمياه منقولة بواسطة شاحنات وتراكتورات، وهي تدفع عن المياه أثماناً باهظة تقدر بخمسة أضعاف وأكثر، ولا يشمل ذلك تلويث البيئة.
غياب التخطيط
سيطرة إسرائيل على الفضاء تقيد الصلاحيات وإمكانية التطوير الفلسطينية إلى حدود جيوب منفصلة دون تواصل جغرافي بينها. السلطة شجعت وتشجع توجهات نيوليبرالية تؤثر بشكل سيئ على جودة البيئة (مثل استهلاك زائد يشمل شراء سيارات خاصة)، لكن مجرد إبعادها من الفضاء ومن إمكانية تطبيق خطة للمدى البعيد، فإنها تقيد مسبقاً أي تفكير شامل بالتخطيط وتضعف المؤيدين لاقتصاد أكثر مسؤولية تجاه البيئة.
إن تطوير مواصلات عامة لا ترتكز إلى الاعتبارات الربحية هو وسيلة حيوية لتقليل انبعاث غازات الاحتباس الحراري. حتى لو لم تكن السلطة فقيرة، فإن مشروعاً مثل قطار بين المدن الفلسطينية يعتبر خيالياً كلياً بسبب تقطيع أوصال المنطقة. وتحسين خدمات المواصلات العامة القائمة مثل الحافلات والحافلات الصغيرة تقتضي تقديم دعم للشركات الخاصة والشركات البلدية ورفع أجرة السائقين. هذا من أجل أن يستطيعوا تحمل النفقات الأخرى المتعلقة بالوقوف على الحواجز والسفر عبر طرق التفافية، ومن أجل أن يضيفوا خطوطاً وساعات عمل.
حلول تقليص الازدحامات المرورية مثل زيادة مخارج من المدن وتوسيع الشوارع في كل محافظة هي أمور مقيدة وحتى غير قابلة للتطبيق. أسباب ذلك هي المستوطنات وخططها التوسعية، وقوانين البناء التي تفرضها الإدارة المدنية التي تميز في غير صالح الفلسطينيين والتفضيل الأمني بأن يكون عدد المخارج والمداخل إلى القرى الفلسطينية قليلاً بقدر الإمكان.
سيطرة إسرائيل على الفضاء وعلى المياه لا تمكّن أيضاً من توزيع المياه بشكل منطقي بين القرى الفلسطينية وتطبيق خطة فلسطينية مستقلة لمد أنابيب من مناطق خصبة إلى مناطق أخرى. إن سيطرة إسرائيل ومنع التخطيط تصعب على السلطة إبعاد المناطق الصناعية الملوثة عن المناطق السكنية، وتوسيع المساحة البلدية طبقاً لاعتبارات بيئية.
إضافة إلى ذلك، السلطة الفلسطينية مقيدة بقدرتها على تطوير وعي بيئي في مسائل حماية البيئة على المديين القصير والبعيد، ومقيدة جغرافياً بقدرتها على تطبيق لوائح وقوانين قائمة، مثل منع دفن النفايات الإلكترونية الإسرائيلية وغيرها مقابل الأموال في مناطق القرى الفلسطينية. ضعفها الاقتصادي المزمن والفشل في تطبيق الوعود بأن يقود اتفاق أوسلو إلى إنهاء الاحتلال، وسمعتها كفاسدة، قللت مستوى ثقة الجمهور بها إلى الحد الأدنى. وثقة الجمهور هي حيوية من أجل رفع الوعي وتطوير سياسات في كل المجالات، سواء في الموضوع الحساس الذي يقتضيه واقع تقليص معدل الولادة، عبر تقليل استخدام المبيدات الكيماوية وحتى تشجيع استخدام المواصلات العامة. الفصل السياسي الفلسطيني الداخلي بين غزة والضفة الغربية، الذي تطور وتعمق بسبب سياسة التمايز والفصل الإسرائيلية، هو أيضاً يقيد تطوير وتطبيق تفكير تخطيطي – بيئي فلسطيني للمدى البعيد.
بقلم: عميره هاس
هآرتس 5/11/2021