الصحف الاسرائيلية 31-5-2016
في عصر العلاقات السرية لاسرائيل مع الدول العربية تفضل الانظمة المعتدلة في المنطقة اجراء حوار معها بعيدا عن ضوء الكاميرات ليبرمان كفيل بان يتبين بانه الرجل السليم بالنسبة لهم
بقلم: ايلي افيدار
ليس واضحا اذا كان رئيس الوزراء نتنياهو توقع ردود الفعل القاسية على تعيين افيغدور ليبرمان وزيرا للدفاع. فالرواية في وسائل الاعلام الاسرائيلية وفي اجزاء من الساحة السياسية كانت واضحة: استبدال بوغي يعلون بايفات ليبرمان هو تطرف في طبيعة الحكومة وساستها، بالذات في فترة يتعين فيها التصرف مع العالم العربي بحذر واعتدار. وقد صدح الفلسطينيون بهذه الرسالة في سلسلة من التصريحات الرامية الى نزع الشرعية عن وزير الدفاع المرشح، قبل أن يدخل هذا الكريا لاول مرة بمنصبه الجديد.
غير أنه لشدة العجب، وبالذات من جهة الدول العربية ساد صمت. مصر، الاردن والقوة الصاعدة في دول الخليج – اتحاد الامارات، والتي لا تخشى انتقاد القدس بكلمات فظة وحادة عندما تريد، اختارت الا ترد علنا على تعيين ليبرمان. من يعرف العالم العربي يعرف كم هو هذا الصمت شديد المعنى. في عصر العلاقات السرية لاسرائيل مع الدول العربية، العصر الذي لا يتميز بالصور في ساحات البيت الابيض، تفضل الانظمة المعتدلة في المنطقة ان تسود في اسرائيل محافل ابداعية وهائلة، يمكن اجراء حوار معها بعيدا عن ضوء الكاميرات. ليبرمان كفيل بان يتبين بانه الرجل السليم بالنسبة لهم.
كما ان التصريحات من جهة ليبرمان تفيد بانه يفهم فضله النسبي. معقول الافتراض بان في الفترة القريبة القادمة سنسمع منه تعابير متلونة ومتفجرة اقل؛ أما العمل الحقيقي فسيتم من خلف الكواليس. هذه انباء سيئة لوسائل الاعلام، ولكن ليس بالضرورة للدولة.
براغماتي ولكن حازم
هذه لن تكون الجولة الاولى في العلاقات الهادئة بين ليبرمان والزعماء العرب. في 2014 نشرت المدونة السياسية تل شنايدر بان افيغدور ليبرمان التقى بمحفل من قطر؛ وهدد ليبرمان من جهته برفع دعوى ضد شنايدر اذا لم تنشر نفيا. وتوقع ليبرمان بان تبقى اللقاءات التي يجريها سرية، ولعل شنايدر أخطأت في تشخيص المحفل الذي التقى به، ولكنها لم تخطيء من حيث المبدأ – لدى وزير الدفاع الجديد في جعبته لقاءات مع زعماء عرب اكثر مما يعرف الجمهور في اسرائيل. ولا بد ان ليبرمان يعرف بان العرب الذين التقى بهم يتوقعون منه المصداقية والسرية، وهو يحذر جدا من التسريب، وبالتأكيد الا يذكر مضمون الاحاديث. وعليه فقد كان يتوجب عليه أن ينفي ما نشر.
من هذه الناحية فان وزارة الدفاع تتناسب وكفاءات ليبرمان افضل بكثير مما هي وزارة الخارجية. فليبرمان ليس رجل اعلام فاخر جدا، ولكنه ينجح في خلق علاقات عمل حميمية مع الناس الذين يلتقي بهم. فهو يعرف كيف يعمل سرا عند الحاجة، ولا مشكلة له في أن يناور على الاعلام، والحفاظ على صورة يمينية بينما يقود خطوات براغماتية (والعكس ايضا) – وكل ذلك وفقا للظروف والاحتياجات السياسية.
من يقلق بالتأكيد من تعيين ليبرمان هم الفلسطينيون. فنية استبدال بوغي بليبرمان امسكت محمود عباس وهو غير مستعد وهذا يقض مضاجعه منذئذ. وكما هو معروف، فان لليبرمان توجد قناة الى محمد دحلان، الخصم اللدود للرئيس الفلسطيني، والى مضيفيه في الخليج الفارسي. من ناحية ابو مازن، تعيين ليبرمان ليس نتيجة الخطوات السياسية في اسرائيل بل جزء من المؤامرة عليه.
محفل فلسطيني آخر ليس راضيا عن تعيين ليبرمان هو محمود الزهار، عضو المكتب السياسي لحماس. ففي حديث مشحون مع صحافيين في غزة، وصف الزهار ليبرمان بـ “الجبان” و “البطل في الاعلام فقط” واشار الى أن “تصريحاته هي فقط لبيع الصحف وللاغراض الاعلامية والحزبية. هذه التصريحات، في الفترة التي توجد فيها حماس في ازمة عميقة، تذكر اكثر من أي شيء آخر بالملاحظة الاسطورية لموشيه سنيه: “حجة ضعيفة، ارفع الصوت”.
بين غزة ومصر
في المؤتمر الصحفي بمناسبة التوقيع على الاتفاق الائتلافي وعد ليبرمان بانه اجتاز عملية جراحية “لاطالة فتيلي القصير”. ولكن من الخطأ الاعتقاد بانه في اطار تلك العملية الجراحية اتسعت ايضا قدرة الاحتواء. لقد بنى ليبرمان صورته العامة في السنوات الاخيرة على انتقاد السياسة الاسرائيلية تجاه غزة، ولا سيما عدم الرد في حالات خرق الهدوء. لا شك ان وزير الدفاع سيكون من الان فصاعدا محفلا هاما في السعي الى رد دراماتيكي على حماس، وليس فقط للحفاظ على صورة مصداقة في نظر الجمهور، الذي يتذكر تصريحاته جيدا.
ليبرمان هو مؤيد للتهديدات فقط في الحالات التي يوجد فيها استعداد حقيقي للتنفيذ. وعليه فمعقول الافتراض باننا سنرى انخفاضا كبيرا في حجم التقديرات التي ستخرج من الجيش الاسرائيلي والناطقين بلسانه حول السياسة تجاه حماس او تأثيراتها عليه. من انتظر سنة كاملة كي يدخل وزارة الدفاع سيفضل الا يقدم تفسيرات ملتوية بل وضع خط احمر؛ وبما يتناسب مع ذلك، فان ايام الصيغة التي تسمح لحماس بتنفيس الضغط باطلاق النار بين الحين والاخر كفيلة بان تكون معدودة.
الاختبار الثاني لليبرمان سيكون مختلفا جوهريا. فقوله الشهير عن سد أسوان اقتبس مرة اخرى هذا الاسبوع في كل وسائل الاعلام في العالم، وفي احيان قريبة في ظل اخراجه عن سياقه. الرئيس السيسي، الحليف الاهم لاسرائيل في هذه اللحظة، قد يكون أمل في أن يرى بوجي هرتسوغ في الحكومة، ولكن له مصلحة حقيقية في توثيق العلاقات مع اسرائيل. قد يكون امل في أن يفعل هذا مع حكومة وحدة، ولكنه يشخص ربحا ايضا من تعيين ليبرمان، ولا سيما في عصر يشكل فيه قطاع غزة خلفية لوجستية لحركات الجهاد التي تعمل في شبه جزيرة سيناء ضد مصر وجيشها.
في اطار السياسة الاعنف التي يسعى الى انتهاجها تجاه حماس، يمكن لليبرمان ان يوجه رئيس شعبة الاستخبارات بان يخصص مقدرات اكبر لمعالجة غزة والجهاد العالمي. اعمال الاستخبارات من هذا النوع ليست مرتبطة بالتهديد الفوري على دولة اسرائيل، ولكن لها معنى حرجا لاستقرار الانظمة في مصر، الاردن ودول الخليج الفارسي. سبب آخر من ناحية اصدقاء اسرائيل الهادئين لان يفحصوا بعناية سياسة وزير الدفاع الجديد.
معاريف
