حزمة فجل
في أحاديث النميمة النسائية نتداول نحن النساء قصص الرجال بحزم وقسوة، فنأتي على سيرتهم لحماً ونرميها في آخر الجلسة عظماً، بعد أن نكون قد حللنا تركيبتهم النفسية وتكوينهم العقلي وما يأتون من أفعال محكومة ما بين هذه وتلك. أحب أنا أن ألعب دور المستمعة كثيراً في هذه الجلسات، فأطقطق أذني لألحان الشكوى التي تبدأ بها معزوفة النميمة، هذه تشتكي من تسلط الرجال، وتلك تنعى أي مساهمة منهم أو تعاون في البيت أو خارجه، وأخرى تتذمر من «زوغان» عيونهم وخبث قلوبهم التي ما هي في الواقع سوى غربال تؤمنه النساء مياه حبها.
تمتد الشكاوى طويلة مطاطية تحمل في طياتها الكثير من الأسرار الثقافية والمجتمعية، تتقشر الشكاوى عن طبقات من العلاقات المعقدة بين الرجال والنساء، علاقات يسودها الكثير من التخطيط والتدبير والالتفاف والتحوير للوصول الى النتائج المرجوة.
ويبقى انبهاري كما هو على الرغم من تكرر هذه الأحاديث واستمرار تعرضي لطياتها وأسرارها منذ أن أصبحت إمرأة متزوجة يسمح لها أن تستمع لأحاديث الكبار. يأتي انبهاري من حقيقة أنها، وفي غير الحالات المتطرفة العنيفة والتي تشكل مشكلة إنسانية حقيقية، هي النساء الشرقيات اللواتي يخلقن الشخصيات الذكورية الشرقية العنجهية. تنطوي أحاديث السيدات دوماً على تعابير متبرمة إلا أنها لا تخلو من إعجاب خفي بشدة الزوج وقسوته وغيرته، «زوجي لا يقبل أن أعود متأخرة للبيت أبداً، هو لا يسمح لي بأن أسافر بعيداً عنه مطلقاً، لا يرضى إلا بملبس يغطيني ويحفظني، يغار علي من النسمة، لا أتحرك سوى بإذنه»، تبرمات تمتط لذيذة في أفواه السيدات كما الجبنة الذائبة في قلب شريحة الكنافة الساخنة، شكاوى غنج ودلال تفتخر من خلالها السيدات بأزواجهن الشرقيين الأقوياء الغيورين.
أستمتع أنا بهذه الحوارات وكأنني أشاهد فيلماً عربياً كليشيهياً البطل فيه يحمل وسامته وصرامته وحبيبته على كتفيه العريضين ويتجول بهم جميعاً. كل شيء يسري جميلاً سكرياً خمري اللون الى أن يأتي دوري للحديث، أشوح أنا بالكلمات كأنها حزمة فجل في وجوه السيدات، ينظرن إليّ وكأنني بصلة في بستان ورد، ولا أخفيكم، أسعد أنا بتفردي وان كان عسير الرائحة مسيلاً للدموع. أخبر السيدات أن الرجل الشديد الغيور هو نموذج منفر من الرجال، لا يثير في قلبي أي اعجاب أو انجذاب. فمهما بلغت وسامة وطول وقوة هذا الرجل، ما أن يظهر شيئاً من الغيرة أو قليلاً من التحكم، حتى يتضاءل حجمه وتكفهر تقاطيعه، ويتحول في لحظة الى مسخ حزين.
أخبر أنا السيدات أن الرجل الجذاب قاهر الوسامة هو أولاً وأخيراً الرجل الواثق من نفسه، هذا الذي لا يظهر اهتزازاً ولا انفعالاً إذا ما اقترب غيره من «أنثاه»، هو رجل يمشي فتسري ثقته بين قدميه، له امرأة يعرف أنه يملك قلبها وروحها وجسدها، فلا يتشكك في مقداره عندها وسطوته على قلبها كلما اقترب منها آخر.
هو رجل شديد الاعتزاز بنفسه فلا يحتاج لإثبات رجولته برفع صوته أو باستعراض شدته أو بتحكمه في نساء حياته. هو رجل، وعلى الرغم من أن القيود المجتمعية والدينية في صفه، يقتطع الحق من نفسه، فيساوي نفسه بحبيبته، له ما لها وعليه ما عليها. رجل كهذا، يمشي على الأرض متبختراً بثقته، بهدوئه، برزانة صوته، وبهدوء ردود أفعاله، لا يثيره إلا أشد الشديد، لا يرفع صوته الا تغنياً بمَحَبته، لا يطوح بيده إلا لينقذ محبوبته، هذا الرجل الواثق شديد الثقة في نفسه، المتمكن شديد التمكن من رجولته، العالم بملكيته لامرأته وان غاب أو غابت، المقر بتساوي إنسانيتها التام، المحب لاختلافاتها، المحترم لتفردها، هذا الرجل، هو أجمل الرجال وأشدهم جاذبية، جمالاً وجاذبية لا تمنحها أموال أو قوى جسد أو جمال وجه مهما بلغت جميعها وعظمت.
تنظر اليّ رفيقات الحديث بشيء من التقزز المصحوب بالملل، كلماتي تزكم أنوفهن، يتأففن وهن يشوحن بأياديهن أمام وجوههن، لا يفهمن مقصدي، أو هن يفهمن ولكنهن لا يستسغن، أرسم أنا ابتسامة على وجهي، أقف وكأنني بصلة تقشرت وفاح «عبيرها»، أستأذن خروجاً «فزوجي لا يقبل أن أتأخر خارج البيت»، يضحكن بغضب وأضحك بود، وأغادر وأنا متشوقة الى الجلسة المقبلة، حين تفوح روائحي البصلية فتسيل دموعهن وأنوفهن، ويبقين يقبلنني في الجلسات بودهن وأبقى أنا، رغم حزمة الفجل بيننا، أحبهن.
