عن القذافي قرأت ثلاثة كتب الأول كتبه من عاصر العقيد وكان، في الجزائر، ضمن الفريق المتأهب دوما للتعاطي مع مزاج “الأخ القائد”، الدكتور محي الدين عميمور جمع لنا، وليبيا تتفكك، كل يوميات النظام الجزائري مع الفوَران الدوري لمعمر القذافي.
رصد الدكتور عميمور كل “معاناة” رؤساء الجزائر من “الأخ العقيد”.
في كتاب ضخم عن مؤسسة الفنون المطبعية بالرغاية (الجزائر 2011).
متعة القراءة، رغم الصفحات الـ500، تزداد بالوثائق والصور المرفقة. خاصة وأنها مُطعّمة بأسرار أعرفها لأول مرة، تخص شطحات العقيد إزاء الانقلاب على الحسن الثاني، (الصخيرات) و دعمه اللامشروط لجبهة البوليساريو. ثم انقلابه بتأسيس الوحدة مع المغرب. وتعاطي بومدين مع اتحاده مع تونس. إلى اتجاهه إلى إفريقيا.
المهم أنك تنهي الكتاب ملخّصا الأمر في أن حاكم ليبيا أتعب كل من معه: جيرانه أهله و إخوانه. أتعبهم بمزاج شرحه لنا الكاتب “ياسمينة خضرة”. و هو المؤلَف الثاني.
***
كتاب تتبع الساعات الأخيرة لمعمر القذافي، في “سرت”. في شكل رواية يقول عنها إنه لملمها من خلال أسرار ليبيين التقى بهم. رواية “ليلة الريّس الأخيرة”، دار “جوليار”2011.
La dernière nuit du Raïs, Julliard, Paris 2015.
يحكي المبررات السيكولوجية لسلوكات العقيد. هو ليس متعاطفا معه لكنه لا يُحاكِـمه. في حبكة روائية حذقها الروائي “محمد مول السهول”، الضابط الروائي المختبئ تحت اسم زوجته حتى يتحاشى عكننة العسكر وأسئلتهم، قبل تقاعده. كتاب، يلخص عصّاب رجل من العالم المتخلف. ارتقى به هذيانه إلى رفضه الدخول في قالب مؤسساتي جاهز. و أراد قوْلبة العالم المحيط به لإدخاله
وِفق ما رآه صالحا.
سلوك مكّنته الوفرة المالية من مزج الثأر الشخصي بتصور حُلم وَجَب التحقيق. حلم تحوّل إلى كابوس عندما تأكد العقيد أن ليبيا عدمٌ بدونه. وهو هاجس أي حاكم عربي.
رأيت ذلك في رواية كمال قرور. و هو الكتاب الثالث الذي صدر العام 2015.
***
كمال قرور ألحق معاناتنا، من حكامنا، بتراثنا. فقد بيّن، من خلال رواية “حضرة الجنرال”، (منشورات الوطن اليوم، 2015)، أن الحاكم، سواء سُمي القذافي أو بوتفليقه، يمارس حقا تراثيا يستمد شرعيته من عضلاته، و محيطه يتعامل معه كأنه القضاء و القدر. في قالب روائي متميّز، مزج فيه الأدب اللاتيني، بتوظيف “غارسيا ماركيز″، بالنهل من تغريبة بني هلال.
وصراحة لم أستوعب كامل مكنوناتها الفنية. و لم أفلح في العثور على تغريبة “ذياب الزغبي” لكي أحيط بكل ما يريد قوله. لكن السرد الممتع بلسان ذياب، يجعل القارئ العربي يستحضر هذيان القذافي. أو أي قذافي، وما أكثرهم.
هي رواية تستوجب قراءة ثانية بعد إعادة قراءة تغريبة بني هلال. و لم لا، “غارسيا ماركيز″؟
***
الحاصول،
في الجزائر فقط أرّخت ثلاثة أقلام، كل بطريقته، لحاكم عربي واحد. اتضح أن (ظروف) موته أحيَـته. و إن صحت أخبار وقْـفه لأربعين طنا من الذهب لصكّ عملة إفريقية و إرسال قمر صناعي يتولى مواصلات إفريقيا في منأى عن الاحتكار الغربي. إن صحت هذه الأخبار، فالرجل مرشح لأن يصبح، في يوم ما، أسطورة تحكيها الجدات بعد الفراغ من سرد قصة عبيد بن الأبرص مع المنذر بن ماء السماء.
لأن يوميات نشرات الأخبار، أظهرت أن القذافي لا يختلف عن مناوئيه الذين فتّـتوا ليبيا بعده. و أن زملاءه، من مخلوع و هارب و مشنوق، لا يختلفون في شيء عن العاضين على العروش بالنواجد.