يوم بأربع سنوات
يستأثر الأردن اليوم بمشهد إقليمي فريد؛ انتخابات وصناديق اقتراع ومواطنون يصطفون للتصويت، فيما الحال في دول الجوار يختزَل بحروب أهلية على الهوية، وتوابيت، وطوابير من اللاجئين تهرب من أوطانها وتصطف طلبا للماء والطعام من المنظمات الدولية.
الأردن يثبت اليوم أنه مختلف عن دول الجوار، وأنه قوي ومتماسك، وأن الصندوق لا التابوت هو أحد أهم آليات العمل السياسي في الأردن.
اليوم، الجميع عيونهم على الصندوق؛ معارضة وأحزابا وقوى سياسية ومجتمعية وليس على البندقية.
وسيبقى اليوم ونتائجه مرافقا لنا مدة أربع سنوات هي عمر سنوات المجلس الثامن عشر دستوريا، لذلك فإن تاريخ العشرين من أيلول 2016، تاريخ مفصلي، ولا يكمن في ذاته، بل فيما وراءه من أيام، لما سيكون له من دور في استعادة الثقة بالعملية السياسية برمتها وتقليص الفجوة بين الناس والمؤسسات الدستورية، واعتبار الانتخابات نقطة تحول في العملية السياسية.
من هذه الأهمية على كل طرف أن يعمل على إتمام مهمته هذا اليوم على أكمل وجه، حتى يكون بالفعل يوما تاريخيا للأردن ومستقبله، ولاستعادة مؤسسة التشريع وتحديدا غرفة النواب، التي بعدت المسافة بينها وبين الناس نتيجة ممارسات التدخل بالانتخابات أكثر من مرة، إذ اهتزت ثقة الناخب بالنائب، إذ ما يزال الناس يرددون عبارات شهيرة لمسؤولين قالوا إنهم عينوا نوابا وشكلوا مجالس سابقة.
اليوم على الكل أن يوازن بين مسألتين؛ الأولى النزاهة، والثانية نسبة المشاركة، والتضاد بينهما كبير، وهذا ما يفسر ربما لماذا لم نشهد محاولة رسمية واحدة للحد من استشراء المال السياسي الأسود في الانتخابات.
من هنا يأتي دور الهيئة المستقلة للانتخابات التي عملت بجهد مدة الإعداد للانتخابات لصون العملية من خلال ضمان العملية وسلامتها ورصد الانتهاكات واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها مباشرة. عند بلوغ النزاهة وتحقيقها ينتهي الدور المطلوب من الهيئة في هذا اليوم.
وليس للهيئة علاقة بزيادة نسبة المشاركة، فهذا الدور منوط بالأحزاب والقوى السياسية على اختلاف ألوانها، وأيضا على المرشحين على اختلاف خلفياتهم. إذ أن دور المجتمع كبير خصوصا الناخبين، الذين يجب عليهم أن يقولوا كلمة الفصل.
وليس من باب ذكر مساوئ المجالس السابقة، لكن التذكير بالمنافع التي سعت لها المجالس السابقة ضرورة، أقله لتحفيز الناس على اختيار القوائم المناسبة والأسماء اللائقة من المرشحين، حتى نرتقي بمستوى مجالسنا النيابية وتكون على قدر طموحات الناس وتطلعاتهم.
هنا يأتي دور الناخبين، وقوامهم أكثر من ثلاثة ملايين ناخب موجودين حاليا داخل الوطن، باحتساب نحو مليون مغترب خارج البلاد، ما يعني أن على هذه الكتلة الكبيرة التحرك، وأن لا تترك خيار المشاركة، لأن الفراغ كما يقال تملؤه العناكب، عند الخيار النافع من المرشحين ينتهي دور المجتمع، على أن العزوف والسلبية في هذا اليوم ستجلب مجلسا دون المستوى بحيث لا تنفع الشكوى بعد الحصيد.
الدور أيضا كبير على كل مؤسسات الدولة، وتحديدا الأمنية منها، إذ مطلوب منها جهد كبير لتحقيق النزاهة وإقصاء أي ممارسات من قبل الناخبين أنفسهم لتشويه العملية والالتفاف على نزاهتها، لأن من سيدفع ثمن الإهمال في هذا الجانب هي الدولة والثقة فيها، فيما يجلس نواب المال الأسود تحت القبة، كما شهدنا في انتخابات سابقة تحت القبة.
الموقف الرسمي المعلن، وغير المعلن، والمعلومات القادمة من فوق الطاولة أو من تحتها كلها تؤكد أن القرار هذه المرة بصون العملية، وعدم التدخل أو خدشها وهذه رسالة مهمة، ليعلم الناخب أن المجلس المقبل وتركيبته جزء من مسؤوليته.
اليوم، “الأردن ينتخب”، وهو شعار الهيئة المستقلة للانتخابات، وعلى الجميع أن يعملوا على جعل هذا اليوم يوما بكامل النزاهة، لتستعاد فيه الثقة بالمؤسسات التشريعية، بعدما أضاعها مسؤولون دون أدنى حس بنتائج ما فعلوا على الوطن.
بعد ذلك، على الجميع احترام مخرجات الصندوق الانتخابي، وخيارات الناس، فكيف نريد أن تكون مخرجات الصندوق؟