كمال الهردي: الضرورة الروائية.. والخروج عن النص احيانا

كمال الهردي
كل ضرورة تمثل اختراقاً ما ، فالضرورة الشعرية تكسر الوزن ، والضرورة الاقتصادية تفرض إجراءات تقشفية ، والضرورة الأمنية تحتم تدابير تقييدية ، والضرورة الطبّية تستلزم إجراء مخالف للأعراف الطبية ، والضرورة الموسيقية تقضي بنشاز نغمي ، والضرورة الدينية تبيح مُحرّم ، والضرورة الدرامية تُطبّع مُجرّم ، وهلم جرّا …!
وعلى غرار تلك الضرورات ، تأتي الضرورة الروائية من أجل تشييد نص روائي مكتمل البنيان والأركان ، فيتجاوز بها الروائي خطوطاً حمراء ، مما يفضي إلى إثارة الشريحة المحافِظة من القُرّاء الذين يملكون قناعة أن المبدع الحقيقي بوسعه ارتياد آفاق الإبداع دون خادش للحياء العام أو هاتك لمثاليات المجتمع. وبذلك يُحشر الروائي ما بين صخرة صماء وجدار منيع ! فلا هو بقادرٍ على زحزحة الصخرة ، ولا هدم الجدار .
وعلى الرغم من أن تلك الضرورات ربما يُنظر إليها على أنها ( نقص ) ، إلّا أن ذلك النقص هو ( عين الكمال ). الأمر – تماماً – كقطعة الشوكولاه التي تتألف من مكونات متنافرة كالملح والسكر ، وضارة ونافعة كالمواد الحافظة والدقيق ، وأساسيات ومكمّلات كمسحوق الشوكولاه وروافع المذاق ، وبهذا يعطي ذلك التنافر المعنى الحقيقي للتجانس المثالي والرائع لقطعة الشوكولاه ! فلماذا لا نرى الأعمال الأدبية والفنية القيّمة على ذلك النحو ومن تلك الزاوية التكاملية.
ومع صعوبة الجمع ما بين مثاليات المجتمع وضرورات السرد الروائي ، إلا أن المبدع الراسخ القدم في الحقل الروائي يمكن أن يتسنى له ضبط طرفي تلك المعادلة الصعبة بتقليص حجم الضرورة الروائية إلى حدودها الدنيا ، ثم يطلقها بحُلّة قشيبة- دون فجاجة تعبيرية أو فضاضة إيحائية.
ولنأخذ مثالاً على الضرورة الروائية من أحد المشاهد الرومانسية – من روايتي الأولى -وقد حرصت على أن يبدو مشهد ( ليلة البناء ) معقول ومقبول من الناحية السردية الواقعية ومن الناحية المجتمعية المتسمة بقدر من التحفّظ:
تابع سامر و رانيا تقدمهما – وسط تلك الأجواء العرائسية الرائعة – حتى وصلا إلى خلف باب الشقة المغلق والفاصل لسامر و رانيا عن العالم الخارجي ، ليبدأ حوار العاشقين :
– وصلتِ أخيراً إلى أحضاني ، رانيا !
ابتسمت رانيا ابتسامة عاشقة ، ونظرت إلى حبيبها نظرة مغرمة ، وكأنها بتلك الابتسامة ، وتلك النظرة ، قد نظمت قصيدة شعرية من الطراز الرومانسي الرفيع !
حملها سامر من بين ذراعيها ، ومن تحت ردفيها ، إلى غرفة النوم…
وبعد دقائق…
– فستانكِ رائع ، رانيا ! لكنكِ ستبدين أروع بدونه !
ضحكت رانيا قائلةً :
– أنت على حق ، حبيبـي. ساعدني على فتح السّحاب الخلفي للفستان.
خلعت رانيا فستانها ، ولبست صدرية خفيفة بلا أكمام ، وشورت ، ونثرت شعرها الذهبي الممزوج بخصلات ثلجية على كتفيها…
– شعرك الآن أجمل ، وهو مسكوب على كتفيكِ !
ضحكت رانيا ، فسألها سامر :
– ما الذي أضحككِ ، حبيبتي ؟
– تذكرت ميرنا !
– وما الذي ذكركِ بها ؟
– المسكينة ، قضت ثلاث ساعات كاملة ، وهي ( تهندس ) تسريحة شعري! لو سمعت ما قلت ، لأصيبت بانهيار !
ضحك سامر ، ونهض لتغيير ملابسه ليجني عسل رانيا . وفي تلك الأثناء ، سمعها وهي تتثاءب !!
– أريد أن أنام ، حبيبـي سامر .
ضحك سامر غير مُصدّق ما قالت رانيا !
– هل تمزحين ، رانيا ؟!
– أشعر بالإجهاد ، ليلة البارحة سهرت – أنا وصديقاتي – حتى طلعت الشمس ! ثم جاء هذا اليوم ، والذي كان حافلاً بالأحداث ! أحسُّ بالحاجة إلى النوم ! اسمح لي أن أنام ، حبيبـي ..
يعلّق سامر في ذهول :
– نامي حبيبتي !!
لم يصدّق سامر أن رانيا بالفعل ستنام ! استلقت رانيا على السرير ، ولم تمر سوى لحظات ، وإذ بسامر يرى رانيا مستغرقةً في النوم !!
انتابه شعور بالبكاء والضحك – في نفس الوقت – مما فعلت رانيا ! إلا أنه استسلم للأمر الواقع ! أطفأ الأنوار ، وسحب شرشف السرير ليدفأ به رانيا ، ثم وضع رأسه على الوسادة وهو مبتسم ! وبصعوبة خلد إلى النوم بسبب رغبته الجامحة في الوصال ، والتي كُبتت ووئدت في المهد – بنوم رانيا..!
وفي صبيحة اليوم الثاني …
– حبيبـي سامر ، هيّا انهض ! الساعة شارفت على العاشرة والنصف!
– أرجوكِ حبيبتي ، دعيني أنام ، نمت في وقت متأخر ليلة البارحة !
– أعلم أنك تشعر بالغيض منّي . انهض ، وسوف أقدم لك تعويضاً يرضيك..!
– ومتى سيكون ذلك التعويض ؟
– اليوم.
– بل الآن.
– موافقة…
نهض سامر بخفة ورشاقة حصان ؛ ليتذوّق جوهر رانيا…!
يمر الوقت ، ويمر ، ويمر …
وفي حوض الاستحمام ، يضحك سامر ، وتبتسم رانيا ، من وصف سامر لمعاناتها في تجربتها الفراشية الأولى معه…!
ثم تُردف رانيا متوعّدةً :
– سأشكوك إلى والدي !
تابع سامر الضحك ، ثم صالحها بقُبلة في حوض الاستحمام !
كاتب وروائي يمن

قد يعجبك ايضا