*فادي السمردلي يكتب: رَضِينَا بِالهَمِّ وَالهَمّْ مَا رِضِي بِينا
*
*بقلم فادي زواد السمردلي* ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
في كثير من المحطات المصيرية، تجد بعض المؤسسات والمنظمات نفسها أمام خيارات محدودة، فتضطر للقبول بمن يقود المرحلة، سواء كان ذلك في الأحزاب السياسية أو المنظومات الاقتصادية أو حتى في الحياة الاجتماعية والمهنية وأحيانًا، لا يكون هذا القبول عن اقتناع تام، بل يأتي تحت وطأة الظروف، أو بدافع الخوف من المجهول، أو رغبة في تجنب الأسوأ ولكن المفارقة المؤلمة التي تتكرر عبر الأزمان هي أننا عندما نقبل بالأمر الواقع، على أمل أن نحقق الحد الأدنى من الاستقرار، نجد أن هذا الواقع لا يكتفي فقط بأن يكون صعبًا، بل يزداد تعقيدًا، وكأننا لم نقدم أي تنازل، بل دخلنا في متاهة جديدة من الأزمات التي لم نكن نحسب لها حسابًا وهنا تتجلى الحكمة الشعبية في المثل القائل “رضينا بالهم والهم ما رضي بينا” الذي يعكس بعمق المفارقة المؤلمة بين القبول بالواقع على أمل الحد من المعاناة، وبين اكتشاف أن هذا القبول لم يجلب سوى المزيد من الويلات.
عندما يقرر البعض التسليم بقيادات غير كفؤة، لا تحقق العدالة، يكون الدافع وراء ذلك هو البحث عن الاستقرار أو تجنب الفوضى لكن التجربة تثبت دائمًا أن القبول بالأمر الواقع دون محاولات جادة للتغيير لا يعني أن المشكلات ستختفي، بل على العكس، قد تتفاقم، لأن من تم منحهم الفرصة لا يشعرون بالامتنان أو المسؤولية تجاه من وثقوا بهم، بل يرون في هذا القبول علامة ضعف، فيتمادون في استغلال السلطة أو تهميش الحقوق أو فرض سياسات لا تخدم سوى مصالحهم وهكذا، وهنا نجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة من التنازلات التي لا تؤدي إلى راحة، بل إلى مزيد من التراجع والإحباط.
هذه الفكرة لا تقتصر على مجال معين ، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، سواء في العمل، حيث يضطر البعض إلى القبول بوظائف لا تليق بمهاراتهم خوفًا من البطالة، أو في العلاقات الإنسانية، حيث يستمر البعض في علاقات سامة فقط لأنهم يعتقدون أن البديل قد يكون أسوأ وفي كل هذه الحالات، نجد أن الرضوخ للمشكلة لا يعني بالضرورة أن المشكلة ستنتهي، بل ربما تتعقد أكثر، لأن الطرف الآخر، سواء كان رئيسًا أو مديرًا، قد يفسر هذا القبول على أنه ضعف، مما يمنحه جرأة أكبر للاستمرار في نفس السلوك، أو حتى زيادته.
إذًا، هل الرضا بالمشكلات أو القبول بالواقع هو الحل دائمًا؟ هذا السؤال يحمل في طياته أبعادًا فلسفية واجتماعية وسياسية عميقة فهناك فرق بين الرضا الإيجابي الذي يأتي من القناعة والعمل على التكيف مع المتاح بطريقة تحقق الفائدة، وبين الرضا السلبي الذي يكون مجرد استسلام للظروف دون أي محاولة لتغييرها فالمثل الشعبي يعكس حالة الرضا السلبي، حيث يتم القبول بواقع سيئ أملًا في أن يكون ذلك نهاية المعاناة، لكن ما يحدث هو العكس، إذ يظل الواقع السيئ على حاله، بل يصبح أكثر قسوة، وكأن “الهم” الذي ظننا أننا استرضيناه يرفض أن يمنحنا أي راحة.
في النهاية، لا يجب أن يكون الرضا مجرد غطاء للاستسلام، ولا وسيلة للهروب من المواجهة، بل يجب أن يكون خيارًا مدروسًا، قائمًا على القناعة والسعي المستمر نحو الأفضل فالقبول بالأمر الواقع قد يمنحنا هدنة مؤقتة، لكنه لن يغير حقيقة أن الحلول تأتي لمن يسعى، لا لمن يكتفي بالمراقبة. وبدلًا من أن نقول “رضينا بالهم والهم ما رضي بينا” ، ربما يجب أن نبدأ بالسؤال: هل هذا الهم هو قدر محتوم، أم أننا لم نبذل جهدًا كافيًا للخروج منه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.