كمال الهردي: التوظيف اللغوي في صياغة قوالب رواية ساق البامبو
كمال الهردي
بخلاف الروايات التي تقرأ من أجل المتعة القرائية والذهنية ، رواية ساق البامبو من روايات الجوائز والتي عادة ما يقرأوها النقاد قراءات متعددة ومن زوايا مختلفة بغرض الكشف عن مواطن القوة والضعف. تلك القراءات الاستثنائية تنير دروب الروائيين الجدد، وتسهل لهم مهمة الانطلاق من حيث انتهى الآخرون ، لنقف في نهاية المطاف على أعمال روائية أكثر اكتمالا وتميزا.
ومن هذا المنطلق ولأجل تلك الغاية سأتناول الرواية منوها إلى أمر ذي بال وهو أن هذا الجزء من المساحة النقدية سيخصص لبيان مواطن القصور اللغوي ، وأن مواطن القوة والجمال سيكون لهما إفرادا خاصا في معالجات لاحقة إن قدر لنا ذلك. ولكن قبل ذلك وبعد ذلك نقول أن الرواية ناضجة ومثمرة وطيب مذاقها…
التوظيف اللغوي من ناحية زمن السرد : من المعروف بداهة أن الرواية حكاية لحدث سالف و آنف ، لذلك فالزمن السردي في المجمل ينبغي أن يكون بزمن المضي والانقضاء ﻻ المضارعة والحالية. وقلت ( في المجمل ) لأن الأفعال المضارعة تستخدم في الرواية في أربعة مواضع : الأول عند التوصيف المجرد للأشياء والأمكان والشخوص ، ومثال ذلك أن نقول بلغة السرد الروائي ( …. وفي الطرف المقابل لمبنى البلدية يجثم مركز تجاري هائل الاتساع ). أما الموضع الثاني فيكون حين يسبق الفعل المضارع بالفعل الماضي الناقص “كان” ، ومثال ذلك ( وفي تلك الأثناء كان الراعي يتوجه بقطيعه نحو المرج الأخضر… ). أما الثالث فيكون مع ” لم ” النافية و ” أن ” وبعض الحروف الأخرى كقولنا حين نروي ( لم يكن يهتم بما يتناقله الناس …). وأخيرا حين يكون الفعل الماضي متبوعا بجملة اسمية في محل نصب حال ، كقولنا ( أجاب والشرر يقدح من عينيه…). تلك القواعد تجاوزتها رواية ساق البامبو في سياقات متعددة لتظهر لنا نصوصا غير متماسكة من حيث الزمن كالأمثلة التالية :
– سألت نفسي….، فتجبب…
– خرجت خالتي….، تسند ميرلا خصرها منفرجة الساقين….
– تهز والدتي رأسها بأسف….
والقائمة تطول على غرار تلك المثالب.
الفجوات الناجمة عن غياب الحروف أو الكلمات الرابطة : بالنسبة للقارئ يتسبب ذلك الغياب لأدوات الربط في فجوات تجعل القارئ كذلك السائق على الطريق العام والذي يصادف حفر ا أثناء القيادة. ونسوق بعض الأمثلة من الرواية :
– تذكرت السيارات المصفوفة أمام المنزل. سألتها…. ( والأصوب : فسألتها )
– انتصب في جلسته كجثة دبت فيها الحياة ، قال : ( والأصوب : ثم قال ).
مجانبة الدقة اللغوية في انتقاء بعض المفردات : لنسوق بعض الأمثلة الغير دقيقة من الرواية وكيفية تصويبها.
– أجابت وهي تنحني تنزع حذاءها.
التتابع الفعلي على لسان العرب دون فاصل ( تنحني تنزع ) غير وارد إلا في حالة النفي بلم وعلى شرط الابتداء بالفعل المضارع من كان ، كأن نقول ( لم يكن يتوقع….)، وعليه فإن التعبير الصائب هو ( وهي منحنية لتنزع أو وهي تنحني نازعة …).
– وقد بدا ذلك على وجهها كلما ظهرت والدتي أمامها.
لفظة ( كلما ) توحي بتعدد حدوث الفعل وتستوجب دخول الفعل الماضي ” كان ” فتكون العبارة صائبة على هذا النحو ( وقد كان ذلك يبدو…..كلما…..).
– أجابت وهي تمسح الأحمر من فوق شفتيها.
في هذه العبارة خطأ وإيهام. أما الخطأ ففي كلمة ( فوق ) والتي توحي بفراغ فاصل ( السماء فوق الأرض ) ، والصواب أن نستخدم ( من على ) ليوحي السياق بالالتصاق. وأما الإيهام ففي كلمة ( الأحمر ).
– التزم الجميع الصمت.
هناك فارق في المعنى بين ( لزم والتزم ). لزم بمعنى لم يفارق ، أما التزم فهي تفيد التقيد بالعهود والاتفاقيات والمواثيق.
– مع ساعات الفجر الأولى.
هذا التعبير غير دقيق وغير واقعي ويكتنفه خطأ مركب. الفجر ليس له ساعات فضلا” عن أن تكون ” أولى “. والصواب أن نقول ( مع خيوط الفجر الأولى… ).
انتهى الجزء الأول، وللحديث تتمة …
كاتب وروائي يمني
