فادي السمردلي يكتب: فلم المش مهندس حسن حين يصبح اللقب أكبر من صاحبه

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉

يبدأ فلم المش مهندس حسن بحكاية قصيرة يمكن اختصارها في جملة واحدة رجل عادي عاش كذبة لم يصنعها، ثم افتخر بها، ثم صدّقها، ثم بنى فوقها قرارات كادت تدمّر كل ما حوله فحسن لم يطلب أن يُنادى بالمهندس، ولم يخطط لانتحال صفة، لكنه في اللحظة التي اختار فيها الصمت، اختار المسار كله فالصمت هنا لم يكن حيادًا، بل موافقة ضمنية، ثم شراكة كاملة ومع الوقت، لم يعد حسن يعيش اللقب، بل اللقب هو من عاش داخله، حتى فقد القدرة على رؤية نفسه دون هذا القناع.

الفيلم، في جوهره، لا يهاجم الكذب المباشر، بل يهاجم التعايش معه فحسن لم يقل “أنا مهندس”، لكنه تصرّف كأنه كذلك، وتباهى بذلك في مجالسه، وأدار ظهره لأي لحظة شك والأخطر أنه، مع مرور الزمن، لم يعد يشعر بأنه ينتحل صفة، بل شعر أن الآخرين هم من لا يفهمون عبقريته وهنا تتحول الكذبة من ظرف إلى أيديولوجيا شخصية، ومن حالة طارئة إلى أسلوب حياة، ومن ضعف إلى غرور أعمى.

لكن قوة فلم المش مهندس حسن لا تقف عند هذا النموذج وحده، بل تتوسع لتكشف طبقة أخرى أشد خطورة أولئك الذين يحملون اللقب فعليًا، لكنهم لا يحملون وزنه، ولا مسؤوليته، ولا كفاءته فهؤلاء ليسوا جيشا واحدًا، بل جيشًا من “المهندسين” و”الدكاترة” و”الخبراء” …الخ الذين يملكون الشهادة، لكنهم عاجزون عن القيادة.

وهنا يصبح السؤال أكثر حدة أيهما أخطر؟ من لا يحمل اللقب ويصدّقه، أم من يحمله رسميًا ولا يستحقه فعليًا؟ الفيلم يلمّح، والواقع يؤكد، أن الخطرين وجهان لعملة واحدة فالأول يعيش الوهم، والثاني يفرّغ الحقيقة من معناها وفي الحالتين، النتيجة واحدة منظومات تُدار بضعف، وقرارات تُتخذ بسطحية، ومجتمعات تدفع الثمن.

كم مرة رأينا شخصًا يقود مجلسًا لأنه “المختص”، لكنه عاجز عن إدارة حوار؟ كم مرة جلس على رأس مكتب لأنه “صاحب الشهادة”، لكنه لا يملك رؤية؟ كم لجنة تشكّلت من أصحاب ألقاب ثقيلة، وخرجت بقرارات هشة، لأن اللقب كان حاضرًا، والعقل غائبًا؟ هؤلاء ليسوا مثال الشعب البسيط، بل نسخة أخطر منه لأنهم محصّنون بالقانون، وبالأوراق، وبالختم الرسمي.

الفلم المش مهندس حسن يضعنا أمام حقيقة غير مريحة المشكلة ليست في اللقب بحد ذاته، بل في فقدان العلاقة بين اللقب والكفاءة فحين ينفصل الاسم عن المعنى، يتحول اللقب إلى ديكور، وتتحول المؤسسات إلى مسارح، ويصبح الفشل نتيجة منطقية لا مفاجأة والأسوأ أن هذه المنظومات تدافع عن نفسها، وتهاجم كل من يشكك، لأن الاعتراف بالفشل يعني الاعتراف بأن اللقب كان فارغًا.

حسن، في النهاية، يسقط لأنه لم يكن مستعدًا لتحمّل الحقيقة أما في واقعنا، فكثيرون لا يسقطون، بل يُبقَون في أماكنهم، ويُعاد تدويرهم، وتُمنح لهم فرص جديدة للفشل لأن المنظومة لا تحاسب اللقب، بل تحميه. لا تسأل عن الناتج، بل عن الصفة.

الفيلم لا يطلب منا أن نكره حسن، بل أن نفهمه، وأن نخاف منه في الوقت نفسه لأنه ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لثقافة تُقدّس المسميات، وتخشى المواجهة، وتكافئ الادّعاء أكثر مما تكافئ الكفاءة فسواء كان اللقب كذبة عاشها صاحبه، أو شهادة لم يرتقِ حاملها إلى مستواها، فالخطر واحد، والنتيجة واحدة: خراب بطيء، مُغلّف بأسماء كبيرة.

وفلم المش مهندس حسن، في جوهره، ليس عن شخص ولا عن لقب، بل عن سؤال موجع نتهرب منه جميعًا من يقودنا فعلًا؟ أصحاب القدرة، أم أصحاب الأسماء؟ ومن المسؤول حين نكتشف متأخرين أن الألقاب كانت أعلى بكثير… من العقول التي حملتها؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا