عندما يموت الصادقون
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ………………..
يموت بعض الرجال فتُطوى بوفاتهم صفحة من العمر، ويموت بعضهم فتُطوى معهم صفحة من الضمير. وليس كل غيابٍ فقدًا، لكن فقد الصادقين ظلمة لا يسدّها كثرة الأحياء ولا ضجيجهم.
رحل أحمد عبيدات، لا كما يرحل المسؤولون حين تنتهي مناصبهم، بل كما يرحل الحُرّ حين يتعب من الوقوف وحده في وجه الريح. رحل وفي القلب غصّة، وفي السؤال بقايا دمعة: لماذا يُترك النزيه وحيدًا؟ ولماذا يُحاصَر الإصلاح حتى يختنق في صدر أصحابه؟
لقد كان هذا الرجل—كما عرفه من لم يلتقي به —صوتًا لا يعلو بالصراخ بل بالثبات، وسيفًا لا يلمع بالاستعراض بل بالعدل. لم يكن خصمًا لأشخاص، بل خصمًا للفكرة الخبيثة التي تُفسد الدول من حيث لا يشعر الناس: فكرة المال بلا أصل، والسلطة بلا حساب، والمسؤولية بلا ذمة.
كان يؤمن—وما زال إيمانه حيًا بعد موته—أن الدولة لا تقوم بكثرة القوانين، بل بعدالة تطبيقها، ولا تستقيم بالخطب، بل بنقاء اليد التي توقّع القرار. وكان يرى أن أول الإصلاح سؤالٌ بسيط، لكنه ثقيل على الفاسدين: من أين لك هذا؟
سؤالٌ لو سُئل بصدق، لارتعدت له أركان كثيرة، ولسقطت أقنعة طال بها المقام.
وما أقسى أن يُكافَأ الصادق بالإقصاء، وأن يُجابَه الناصح بالصمت، وأن يُدفع المخلص إلى الاستقالة لأن كلمته أثقل من أن تُحتمل. تلك مأساة الإصلاح في أوطانٍ تُحب الفكرة ما دامت بعيدة، وتكرهها إذا اقتربت من الجيوب والمواقع.
يا أبا ثامر، لم تكن وحدك في معركتك، وإن بدا لك ذلك. فكل شريفٍ صامت كان جنديًا في صفك، وكل فقيرٍ ظُلم كان شاهدًا لك، وكل وطنٍ نجا—ولو جزئيًا—من السقوط، كان ثمرة من ثمار أمثالك.
إن رثاءك ليس بكاءً عليك، بل بكاءٌ علينا: على ضمائر تتعب سريعًا، وعلى قيم تُرفع في الشعارات وتُنسى في الممارسة. وإن ذكراك ليست حزنًا، بل امتحان: هل نتعلّم من الصادقين بعد رحيلهم، أم لا نُجيد إلا تمجيدهم حين لا يعود لصدقهم ثمن؟
رحمك الله يا من اخترت أن تكون نظيف اليد ولو كلفك ذلك الراحة، وأن تكون واضح الموقف ولو كلفك المنصب. نم قرير العين، فالبذرة التي زُرعت بصدق لا تموت، وإن تأخر المطر.
الكاتب من الأردن