حميد عقبي: ربط الشخصية بالفكرة في السيناريو السينمائي

حميد عقبي
أكبر مشكلة في كتابة السيناريو هي عدم نسيان الأفكار الفلسفية والأساسية للعمل وكيفية أن يشارك معك المتفرج هذه الرؤية، فيلم جيد هو رصيف للحوار والنقاش وليس طرح مشكلة وحلها بأسلوب يعتمد على الخطابة والوعظ و التلقين.
هناك من سيكون معك وفي نفس الوقت قد يختلف معك أيضاً في نقطة أو فكرة، هناك من سيحب افكارك وهناك من قد يسفهك، تتعرض بعض الأفلام لحملة قاسية بسبب أفكارها ، للأسف حملات التكفير والتشهير والتهديد بالقتل هو الأسلوب المتعارف عليه في عالمنا العربي، وقد سبق وأن تعرض الراحل يوسف شاهين وغيره لمثل هذه التهديدات، لكن الفنان الحقيقي لا يستسلم أو يخاف، هناك فئة تسير مع مصالحها ولا تحمل أي فكر وهذه الفئة قد حصلت على المال أو الجاه والسلطة لكن مصيرها مزبلة التاريخ.
حياة الفيلم تأتي من خلال قوة أفكارة وطريقة طرحها، هناك أفلام كلما نشاهدها كلما نكتشف فيها معاني وأفكار جديدة، يقول المخرج الفرنسي جون كوكتو “نسخة قديمة من فيلمي ” دم شاعر” هي أفضل ألف مرة من فيلم أمريكي معاصر”. وبالطبع يقصد الأفلام التجارية كون هناك أفلام أمريكية رائعة وفنية ونذكر على سبيل المثال روائع شارلي شابلن، فأفلامه قصائد صادمة وهي نموذج لمفكر وقف ضد تيار الإمبريالية والميكافيلية الحديثة، كل شخصية من شخصيات شابلن تحمل فكر وروح يقف مع الطبقة المسحوقة والفقيرة، شابلن حاول كشف بشاعة الإنسان المادي والانتهازي، هو أيضاً صاحب لغة سينمائية فريدة أثرت على الكثير من الاتجاهات والمدارس السينمائية، عندما يتناول شابلن شخصية يقدمها ببساطة وفي قالب كوميدي، هنا الضحك لا يعني الاستخفاف بعقل المتفرج وليس فعل كوميدي يعني فعل ساذج يعتمد على السخرية من الآخرين وليس كما نراه مثلا في أفلام هنيدي أو أفلام عربية سخيفة مثل ” خالتي فرنسا” أو ” اللمبي” وليس كما نراه في بعض المسلسلات الخليجية التي تتخذ من صورة اليمني أو الهندي وبشكل ساخر ولا إنساني لمجرد الاضحاك، هذه وسائل مقززه وغير حضارية ولا إنسانية.
تيم برتون، يعتبر نموذجا للسينمائي المتمكن من خلق الدهشة الممتعة والمرعبة أيضا كونه يتميز بقوة الصورة الشعرية وكل أفلامه تزخر بفكر قوي وقراءة عبقرية للواقع ثم عرضه بطرق مفعمة بالفنتازيا ويمكننا أن نتعلم منه الكثير.
نجاح فكرة تأتي من قوة خلق شخصيات ومازلنا نناقش هذه النقطة كونها مهمة، سدني فيلد وغيره من منظري فن السيناريو ينصحون بضرورة معرفة و خلق الشخصيات قبل تسطير أي كلمة، البعض يرى أن الفيلم هو رصيف تأتي الشخصيات لتطرح مشاكل كبيرة وصغيرة ثم تغادر، خلق وليس صناعة كون البعض يعتمد على الشكل و يعطي لشخصية ما نوعاً من البهرجة ولكن الشخصية تسقط في وحل المباشرة ويكون التأثير وقتي، الفيلم الذي يعتمد على إثارة الأحاسيس بالتأثير النفسي والاعتماد على قوة وموهبة الممثل وحب الجماهير له، قد يسقط هذا الفيلم وفي حال سقوطه يضعف شعبية الممثل أو الممثلة، و هذا لا يعني النقص في حق بعض الممثلين و الممثلات، فهناك من يعطي للشخصية والفيلم روحه الجميلة ويمكن ذكر على سبيل المثال الرائع عمر الشريف، يسرا، احمد زكي، محمود عبد العزيز، نور الشريف، حنان ترك، دريد لحام وغيرهم وعالمياً انطوني كوين، جون ماري، غريس كيلي ، انجريد بيرغمان، سلمى الحايك وغيرهم مثل هولاء لديهم سحر وروح خاصة يعطرون بها الأفلام وهذا يأتي من عمق وفهم للفن السينمائي، بالتأكيد لديهم فهم للسيناريو وسنخصص حديثاً خاصاً حول السيناريو والممثل أي كيف يساعد كاتب السيناريو الممثل ليعطي أكثر؟
هناك من الكُتاب من لا يقرء وليس له ثقافة ومثل هذا لا يمكن أن يكتب سيناريو جيد، أتذكر أن العبقري القدير انجمار بيرجمان كتب عن برنامجه اليومي ومن أهم ما ذكر أنه يطالع عدة كتب كل يوم، القراءة في كل شيء في الفكر، الفن، الفلسفة، علم الاجتماع، الأديان، التاريخ وغيرها حتى أنه يقول بأنه احيانا يقرء ولا يهمه أن يفهم، هنا القراءة تعطيك ملكة لغوية وتعبيرية جديدة.
عندما يختار السيناريست أفكاره ويصبح هناك تصور للشخصيات فعليه القراءة حول هذه الأفكار والشخصيات، هناك من المخرجين العالميين من كان يحب السفر على سبيل المثال بير باولو بازوليني، كان يلاحظ ويراقب الناس حركاتهم، ضحكهم، رقصاتهم ويغذي اعماله بهذه الخبرة التي يكتسبها عبر الأسفار في بلدان الشرق مثل اليمن، الهند، النيبال، تركيا، سوريا، المغرب العربي وافريقيا، بل سنجد لهذه الرحلات تأثير على انتاجه الشعري و الأدبي أيضا، أي أن الفنان عليه أن يكون حساس لابسط الامور، ويغذي فكره وثقافتة عبر كل الوسائل، الكثير يشتكون من تفاهة وضعف السينما العربية لعل جوهر المشكله هي الخواء الفكري والسطحية والسبب أن كتابة السيناريو تسند إلى أشخاص تنقصهم الخبرة والتقنية والفكر، وهذا يمكن ملاحظته بشكل عام على الدراما التلفزيونية العربية، أعمال فارغة يُصرف عليها الملاين والنتيجة سلسلة من خيبات الأمل والفشل، وهذا لا يعني التعميم.
[email protected]

قد يعجبك ايضا