الهيمنة بوجهها العاري
أسماء الجرادي. …..
حين تُغتال السيادة، وتُختطف الكرامة من بين أضلع الأحرار، لا يبقى للسكوت معنى، ولا للحياد مكان. مشهد لا يمكن وصفه إلا بالهمجي والعدواني، يُعيد تعريف الإجرام الدولي، ويُسقط الأقنعة عن وجوه طالما ادّعت الدفاع عن الحرية والديمقراطية.
في الثالث من يناير 2026، تفاجأ العالم بانفجارات كبيرة وسط العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وتحليق مكثف لطائرات حربية. ثم جاء الخبر الصادم: قوات أمريكية خاصة تقتحم قصر ميرافلوريس، معقل السيادة الفنزويلية، وتعتقل الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، لتنقلهما إلى قاعدة غوانتانامو، ثم إلى نيويورك.
في عملية عسكرية، نفذتها وحدات من دلتا فورس الأمريكية، مستخدمة تقنيات تجسس متعددة، أعقبها نشر صور مهينة للرئيس المعتقل وهو يتعرض للإذلال على يد القوات الأمريكية في شوارع نيويورك.
لم تكن هذه العملية سوى تتويج لسنوات من الحصار الاقتصادي والتآمر السياسي الذي مارسته واشنطن على كاراكاس منذ عقود.
فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، كانت دومًا هدفًا مغريًا للولايات المتحدة. منذ أن بدأ الرئيس الراحل هوغو تشافيز تأميم قطاع النفط لم تهدأ واشنطن. حاولت اغتياله والانقلاب عليه مرارًا، لكنها فشلت. واليوم، يتكرر السيناريو، لكن بوجه أكثر وقاحة .
هذه العملية تمثل استمرار لمنطق “الشرطي العالمي”، الذي يفرض إرادته بالقوة، ويُسقط الحكومات المنتخبة، ويزرع الفوضى حيثما حلّ. فنزويلا لم تكن تهديدًا لأمن أمريكا، لكنها كانت شوكة في حلقها، لأنها رفضت الخضوع، ورفض رئيسها الحرّ تسليم ثروات بلاده النفطية للشركات الأمريكية.
وقف مادورو ضد سياسات واشنطن الإجرامية في فلسطين واليمن ولبنان، فكان ثمن حريته وكرامته هو الاعتقال.
ما حدث في فنزويلا هو توضيح صارخ بأن الولايات المتحدة هي أساس الإجرام والإرهاب والاستكبار، وهي المتسببة في كل ما يجري من حروب وقتل ودمار. إنها السرطان العالمي الذي يمتد إلى كل مكان، ينهش مقدرات الشعوب، ويغذي الفتن، ويُشعل الحروب، ثم يتغذى على أنقاضها.
ولو أن دولة أخرى، حتى لو كانت كبرى كروسيا أو الصين، ارتكبت هذا العدوان ضد رئيس منتخب أخر، لأُعلنت عليها الحرب. لكن لأن المعتدي هو أمريكا، والمعتدى عليه هو الرئيس الحرّ مادورو، صمت العالم، وصمتت الأمم المتحدة، واكتفوا ببيانات “القلق” التي اعتدنا عليها منذ نشأتهم.
هذه المؤسسات الدولية، التي يُفترض أنها حامية للشرعية، أثبتت أنها أدوات في يد أمريكا، تُدين من تشاء، وتصمت عمن تشاء، وتُشرعن الحروب متى شاءت.
هذا الخضوع المذلّ جعل أمريكا أكثر تسلطًا، وأكثر تعطشًا للدماء، وأكثر طمعًا في الثروات. وما جرى في فنزويلا يكشف لنا أسرار الترليونات التي دفعتها دول الخليج لترمب في العام الماضي. لقد عرفنا كيف ابتزهم، فقدموا له فدية سياسية تحت التهديد .
واشنطن تسعى للسيطرة الكاملة على موارد الدول، كما تفعل الآن في فنزويلا، حيث تسعى لإجبارها على خصخصة النفط لصالح شركاتها، بعد أن منعتها لسنوات من بيعه بحرية.
أمريكا لم تكن يومًا قوة عظمى بطبيعتها، بل هي عصابة دولية منظمة. وما جعلها قوة هو العالم الخاضع لها، والدول الثرية التي تدفع خوفًا ورهبة.
هي أساس الإرهاب، وسفّاكة الدماء، والسبب في كل حرب وكل فتنة. من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى لبنان، وإيران، تقف أمريكا خلف كل صراع، تُشعل الفتن، وتبيع السلاح، وتُدمّر، ثم تطالب بالتعويضات، وتأخذ من البلدان الثرية أضعاف ما خسرته.
ما حدث اليوم هو رسالة تحذير لكل الأحرار في العالم: إن لم نواجه هذا الذئب الأمريكي الغادر، فسيأتي الدور على البقية، غدرًا وفي لحظات غير متوقعة.
على الأحرار أن يغضبوا، وأن يرفضوا، وأن يواجهوا. فلا مكان للركون إلى مؤسسات دولية كاذبة. وعلى الدول الحرة أن تعلن انسحابها من كل تلك المؤسسات التي تحمي السفاح وتُنمّي إجرامه، سواء كانت الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو غيرهما.
ولأن الرئيس الفنزويلي البطل كان مع المظلومين في كل مكان، ووقف مع اليمن وفلسطين، فعلينا، وعلى حكوماتنا الحرة، مقاطعة البضائع الأمريكية، وفرض عقوبات على الشركات التي تستورد منها، خاصة شركات الهواتف التي كثرة وأصبحت أدوات تجسس.
لقد تعاونت أمريكا مع شركات الهواتف لتوريد الأجهزة إليها قبل تصديرها لدولنا، مما يشكل خطرًا على سيادتنا وأمننا. ولهذا، نطالب بقطع التعامل نهائيًا مع أمريكا وشركاتها.
على العالم أن ينهض، أن يرفض، وأن يُقاوم. وليتعلم من كوريا الشمالية، التي واجهت التهديدات الأمريكية بالتجارب النووية، حتى أرعبت واشنطن، وأجبرتها على الخضوع.
فالعالم لا يحترم إلا القوي. ومن لا يملك القوة، لا يملك القرار.
لن يعرف العالم السلام في ظل هذه السياسة الأمريكية. وعلى كل الدول الحرة أن توقف هذا الغرور، وتكسره برفض أوامرها، والوقوف في وجهها بشجاعة، كما فعل الشعب اليمني، الذي واجهها، وكسر هيبتها، وأجبرها على الانسحاب منكسرة .
أخيرًا، من لم يغضب اليوم ويُدافع عن مادورو، سيبكي على وطنه غدًا.
السكوت خيانة، والمهادنة انتحار. وحق لنا أن نغضب، وآن أوان المواجهة.
النصر على الظالمين وعد الله للمؤمنين، وسيأتي… ولو بعد حين.
الكاتبة من اليمن