فادي السمردلي يكتب؛ نحو منظومة نزاهة أكثر فاعلية
بقلم فادي زواد السمردلي. …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
أصبحت النزاهة ومكافحة الفساد من القضايا المحورية في أي نقاش جاد حول الإصلاح الإداري والسياسي، ليس بوصفها مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل كشرط أساسي لفعالية الدولة، واستدامة التنمية، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة وفي السياق الأردني، يحظى هذا الملف باهتمام رسمي ومجتمعي متزايد، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مستوى الخطاب أو عدد التشريعات، بل في قدرة المنظومة القائمة على تحقيق أثر ملموس ومتراكم.
يمتلك الأردن إطارًا قانونيًا ومؤسسيًا متقدمًا نسبيًا في مجال النزاهة ومكافحة الفساد، سواء من حيث القوانين أو الجهات الرقابية المختصة وهذا الإطار يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية الملف، ويؤسس من حيث المبدأ لبيئة رادعة لأي تجاوزات إلا أن التجربة العملية تُظهر أن وجود القوانين والمؤسسات لا يكفي بذاته، ما لم يُرافقه تطبيق صارم، وتنسيق فعّال، ومساءلة واضحة النتائج.
أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة النزاهة يتمثل في الفجوة بين النصوص والتطبيق فالقوانين، مهما بلغت درجة إحكامها، تفقد فعاليتها عندما تُطبّق بشكل غير متسق، أو عندما تُترك بعض المساحات الرمادية دون معالجة وهذه الفجوة لا تعني بالضرورة وجود خلل مقصود، لكنها تشير إلى حاجة ملحّة لمراجعة آليات التنفيذ، وضمان توحيد المعايير، وتعزيز وضوح الإجراءات.
الشفافية تشكّل عنصرًا مركزيًا في بناء منظومة نزاهة فاعلة فإتاحة المعلومات، ووضوح القرارات، وسهولة الوصول إلى البيانات العامة، تُعدّ أدوات وقائية قبل أن تكون رقابية وكلما زادت درجة الوضوح في إدارة الشأن العام، تراجعت فرص سوء الفهم، وتقلصت المساحات التي قد تثير تساؤلات أو شكوك لدى الرأي العام ومن هنا، فإن تعزيز الحق في الحصول على المعلومات، وتوسيع نطاق الإفصاح، يمثلان خطوة أساسية في هذا المسار.
كما يبرز ملف تضارب المصالح كأحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في منظومة النزاهة فالتداخل بين المواقع العامة والمصالح الخاصة، حتى وإن كان ضمن أطر قانونية، يستدعي وجود ضوابط واضحة، وإفصاح مسبق، وآليات رقابة فعّالة فالتعامل مع تضارب المصالح لا يعني الاتهام أو التشكيك، بل يهدف إلى حماية القرار العام، وتعزيز الثقة به، ومنع أي التباس قد يؤثر على نزاهته.
المساءلة بدورها تُعدّ حجر الزاوية في أي منظومة نزاهة فغياب المحاسبة الواضحة، أو تأخرها، أو عدم وضوح نتائجها، يضعف الأثر الردعي، ويؤثر سلبًا على ثقة المواطنين فالمساءلة الفاعلة لا تُقاس بكثافة الإجراءات، بل بوضوحها، وعدالتها، وقدرتها على تصويب المسار وهي لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف حماية المصلحة العامة وتحسين الأداء المؤسسي.
إلى جانب الأطر القانونية والمؤسسية، تلعب الثقافة العامة دورًا لا يقل أهمية فترسيخ قيم النزاهة يتطلب وعيًا مجتمعيًا، وتعليمًا يعزز احترام القانون، وإعلامًا مهنيًا يطرح القضايا بموضوعية ومسؤولية فالنزاهة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي نتاج تفاعل بين الدولة والمجتمع، وبين القوانين والسلوكيات اليومية.
إن الانتقال نحو منظومة نزاهة أكثر فاعلية يتطلب مقاربة شاملة، توازن بين الوقاية والمساءلة، وتربط بين التشريع والتطبيق، وتضع الشفافية في صلب العمل العام كما يتطلب تقييمًا دوريًا للسياسات القائمة، واستعدادًا لتطويرها بما يتلاءم مع التحديات المستجدة.
في المحصلة، فإن بناء منظومة نزاهة أكثر فاعلية في الأردن ليس مسألة شكلية، ولا هدفًا مرحليًا، بل مسارًا مستمرًا يرتبط بجودة الحكم، وكفاءة الإدارة، ومستوى الثقة العامة وكلما اقتربت الممارسة من روح القوانين، ازدادت قدرة هذه المنظومة على أداء دورها، وتعزيز استقرار الدولة، وترسيخ مفهوم العدالة المؤسسية.
الكاتب من الأردن