ما العمل؟!
حسن العيسى. …..
يبدو أن أسعار النفط تتجه إلى مزيد من التراجع في المستقبل القريب، وأن كثيراً من السرديات المتداولة حول صعوبة عودة الولايات المتحدة إلى إنتاج النفط الفنزويلي، أو أن إعادة تأهيل منشآت الاستخراج ستستغرق سنوات طويلة، لن تصمد طويلاً أمام الواقع. في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: ماذا ستفعل دول «أوبك»، وخصوصاً تلك الدول التي وضعت كل بيضها في سلة أسعار النفط المرتفعة؟ ولعل الكويت تأتي في مقدمة هذه الدول، إذ عاشت لعقود ــ ومنذ التحرير تحديداً ــ وكأن الاقتصاد والسياسة في إجازة مفتوحة، وكأن الأمور مقدر لها أن تبقى على حالها إلى الأبد. لقد مرت البلاد بمحطات قاسية نتيجة تدني أسعار النفط، كما حدث في عام 2008 إبان الأزمة المالية العالمية، ثم منذ مطلع عام 2014 حين انتهى عصر «الأحلام الجميلة» ووهم ثبات الزمن. دخلنا بعدها سنوات صعبة، ومع ذلك لم يتغير النهج العام في إدارة الإنفاق، ولم يظهر تفكير جاد في تنويع مصادر الدخل. كان الهروب من المسؤولية، وتأجيل الشروع في الإصلاح الحقيقي، هو السمة الغالبة، في حين تُركت الأمور تسير «على البركة» وفق تقلبات أسواق النفط. لم يحدث أن طُرح الاستثمار في الإنسان باعتباره المفتاح الحقيقي للحلول، والضمان الآمن للاقتصاد، وبالتالي للاستقرار السياسي، في سنوات الشح المقبلة. على العكس، شهدنا هدراً واسعاً في الموارد المالية، وتضخماً وظيفياً في المرافق العامة، قاد إلى بطالة مقنّعة تحولت اليوم إلى بطالة حقيقية كاشفة عن وجهها. ومع ذلك، لم يُبدِ أهل القرار اكتراثاً، ولم يُفكروا بعقلانية في حلول جذرية، بل اكتفوا بترقيع مؤقت، وظنوا أنهم عالجوا المشكلة بإجراءات شكلية، كفرض البصمة ثلاث مرات على العاملين في القطاع العام. النتيجة كانت واضحة: لم يتغير شيء. نحن اليوم نقف على مفترق طريق، والسكة أمامنا مظلمة، في وقت لا تزال الأولويات على حالها في وزارات لا تتجاوز أفعالها دائرة «اجتمع وقرر واعتمد وأوصى»، بتعبير محمد البغلي. وبدلاً من الاستثمار في العنصر البشري، جرى تهميش الإنسان، واستمر التفكير التقليدي في إدارة الشأن العام دون مراجعة أو تحديث. الزمن لا يرحم، والفرص لا تنتظر من يتردد أو يكتفي بالمسكنات. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: ما العمل؟!
الكاتب من الكويت