قراءة تحليلية للاستراتيجية الأمريكية في ضوء الأحداث في فينزويلا وإيران

أ. محمد محمد الدار  …..

رئيس مركز المسيرة للدراسات-اليمن

توطئة
تتسارع المتغيرات والمستجدات الدولية في الساحة العالمية سواء الأحداث في إيران وفينزويلا بتسارع التحرك الأمريكي في هذه الآونة، والحديث الذي يُطرح كثير والتحليلات كثيرة والتوجسات والتكهنات كثيرة، وهناك من لديه مخاوف كبيرة جدًا وتثير هذه التحركات حالة من الخوف والرعب والقلق الكبير، وهناك من لا يبالي بها ويشعر أنه بعيد عنها وأنه غير معني بها، وأنها تخص فئات وأطراف معينة، أو تخص بلداً ما أو تياراً ما أو نظاماً ما، وأنها حدثت لأسباب تتعلق به.
حقائق على الارض
لكن مما ينبغي أن يدركه الجميع مثقفون ومحللون وإعلاميون وأنظمة وحكومات وشعوب أن هناك حقائق ثابتة على الأرض ينبغي أن ينطلق منها في النظرة والرؤية والتحليل والموقف.
الحقيقة الأولى: حقيقة التحرك الأمريكي العدائي والعدواني تجاه البلدان بشكل عام الأنظمة والشعوب، هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها، بل إن تاريخ أمريكا هو تاريخ استعماري احتلال وهيمنة وسيطرة تستخدم فيها القوة العسكرية والقتل والضغوط، الترغيب والترهيب وكل أنواع وسائل الضغط، وتصب باتجاه أن تصبح الأنظمة خاضعة مستجيبة تسير في اتجاه تحقيق المصالح الأمريكية، ولكي يعمل الآخرون باتجاه المصالح الأمريكية، وبما يحقق مصالح الامريكيين وليس مصالح الأنظمة والشعوب، وهذا شيء واضح ومعروف.
فأمريكا عندما تتدخل في أي بلد سواءً للسيطرة على ثروات أو لتغيير نظام أو تحت مسمى مكافحة إرهاب أو تحت أي عناوين هي تنظر إلى مصالحها هي، بل إن الإدارة الامريكية ترفع شعار (أمريكا أولاً) وهذا هو مبدأ تنطلق على أساسه الولايات المتحدة الامريكية في سياستها الخارجية وفي تحركاتها وفي تخطيطها وفي وضع استراتيجياتها، أمريكا لا تبالي بالآخرين نهائياً أياً كانوا: عرباً، مسلمين أو غير مسلمين، مسيحيين، أوغيرهم وأياً كان توجههم الفكري والديني والسياسي.
وانطلاق الاستراتيجية الأمريكية من شعار “أمريكا أولاً” معناه أن أمريكا سترمي عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية والمعاهدات والاتفاقيات وكل الأدبيات السياسية والدبلوماسية المتعارف عليها في أروقة المجتمع الدولي وهذا أصبح أمراً واقعاً فتحركات أمريكا تحركات فردية وهي لا تنتظر أحداً ولا تنتظر شرعية ولا موافقة ولا إذناً من أحد، والخطورة تكمن هنا.
وبهذا نستطيع الجزم: أنه لم يعد هناك نظام دولي، ومؤسسات دولية تمثل مرجعيات دولية وتحقق توازناً عالمياً وتنظم العلاقات بين الدول، وتعالج الحروب والمشاكل، هذا غير موجود، الواقع: أن هناك أقطاباً مهيمنة أقطاباً تمتلك قوة، تمتلك اقتصاداً، تمتلك ترسانة عسكرية، تمتلك نفوذاً، وهي من تتحكم بالوضع الدولي والعالمي، وكل طرف هو ينظر لمصلحته هو، لا يبالي بالآخرين، وقد يشنّ حرباً في أي لحظة، قد يقتل، قد يدمر، المهم هو امتلاكه القدرة المعيار لدى أمريكا ولدى روسيا هو القدرة، هذا هو الشيء الأساسي ، وحتى الأقطاب الأخرى التي لا تتحرك بنفس التحرك الأمريكي حالياً هي لا تبالي ولا يهمها أمر الشعوب ولا الأنظمة الأخرى ولا تهمها حتى الاتفاقيات بينها وبين الآخرين.
يُقال إن: حماية الأجواء الفينزولية كانت مسندة ومعهوداً بها إلى روسيا وروسيا لم تعمل شيئاً كذلك في سوريا روسيا لم تعمل شيئاً وإذا عملت ففي إطار محدود جداً وضمن سقف مرتبط بتقديراتها ومصالحها ونظرتها واستراتيجيتها الخاصة بها.
الخطورة الاستراتيجية للتحرك الأمريكي في هذه المرحلة
إذن هنا الخطورة هناك خطورة عالمية على جميع البلدان دون استثناء وليس هناك فارق بين نظام ونظام آخر أياً كان النظام الذي يحكم سواءً كان إسلامياً أو غير إسلامي أو اشتراكي أو علماني أو أياً كان، هناك مصالح لأمريكا ترى أمريكا أن لها الحق في تحقيقها وتنفيذه أي خطوات في سبيل ذلك.
وهذه المصالح الامريكية هي مصالح غير مشروعة، بكل الاعتبارات السياسية والدولية والانسانية بل هي تعدٍ واعتداء على الآخرين وعلى سيادة البلدان على ثرواتها على حقوقها على استقلالها على كل المفاهيم المتعارف عليها في العلاقات الدولية.
وهنا الخطورة التي يجب أن يدركها الجميع، فالقضية ليست أن هناك نظاماً معيناً تريد أمريكا أن تغيره وتنتهي الأمور
مثلما هو الحال في النظرة السائدة تجاه النظام في إيران، فحتى لو افترضنا لا سمح الله وسقط النظام في إيران وأتى نظام آخر وحكومة أخرى علمانية بعيدة عن الإسلام وبعيدة عن مبادئ الثورة الإسلامية هل أمريكا ستترك إيران؟! هل إسرائيل ستترك إيران؟! أبداً، هذه الحرب هي حرب نفوذ وسيطرة وليست حرب تغيير أنظمة لأسباب تتعلق بنظام بعينه فقط، وهي ليست حرب إيديولوجيات أو توجهات فكرية فقط أو حرب على أنظمة تشكل تهديداً حقيقياً لأمريكا فتسعى أمريكا لازاحته وإسقاطه.
كيف كان وضع إيران قبل الثورة الإسلامية كانت بريطانيا وإسرائيل مسيطرة على القرار السياسي وعلى النظام القائم ومتغلغلة في الداخل وتنهب ثروات ايران، كيف كان وضع الإيرانيين أيام نظام الشاه كيف كان وضع البلد اقتصادياً؟! كيف كان وضع البلد من حيث الثروات؟! ماذا قدم الشاه لشعبه؟! لا شيء؟! هذا الشاه الذي يروج لعودته الان والذي تسعى أمريكا لإعادته الآن.
بمعنى أن الشعوب تظل هي الضحية، سواء من سياسات الأنظمة القمعية والفاسدة والمنحرفة، والضحية أيضاً من التحرك الأمريكي تجاه البلدان.
تحليل اتجاهات الاستراتيجية الامريكية.. وتقدير الوضع
يبدو أن هناك تسارعاً في الأحداث وفي وتيرة الأحداث، الرئيس الأمريكي ترامب يبدو أنه يعجل بالمشاريع والاستراتيجيات والأهداف التي تسعى لها أمريكا والتي تسعى لها إسرائيل وتسعى لها الصهيونية.
التوجه الأمريكي منذ منتصف القرن العشرين تقريباً بدأ يتجه باتجاه خدمة المصالح الإسرائيلية وفي خدمة الصهيونية، بعيداً حتى عن المصلحة الأمريكية الداخلية، فمثلا: المصالح التي ستحصل عليها أمريكا من النفط ومن الثروات أين ستذهب؟ لن تذهب إلى المواطن الأمريكي، أو للداخل الأمريكي لإصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي، إنما ستذهب باتجاه تمويل شنّ حروب وامتلاك قدرات لشنّ حروب وهيمنة وسيطرة مصالح خاصة بالإدارة الامريكية فقط وفي خدمة المشروع الصهيوني، ومما يؤكد هذا: أن التحركات الأمريكية تنسجم تماماً مع أهداف إسرائيل وأدبياتها وعقيدتها واستراتيجيتها في المنطقة وأهدافها المعلنة: “إسرائيل الكبرى” أن تسيطر على هذه المنطقة بكلها.
بما يؤكد أن التحرك الأمريكي واضح أنه في خدمة مصالح إسرائيل ومصالح الصهيونية، الصهيونية الآن تتحرك عبر أدواتها وأذرعها الرئيسية والمتمثلة باليد الأمريكية واليد الإسرائيلية، الصهاينة مسيطرون ولهم نفوذ بارز على التوجه والقرار السياسي الامريكي، ما يُعرف بـ”اللوبي الصهيوني” وهذا معروف ومسلّم به حتى داخل أمريكا، وهناك ضجة حتى داخل أمريكا، وأصوات تتعالى تطرح هذه التساؤلات والاستنكارات: لماذا أمريكا ليست ذات سيادة ولا تمثل الأمريكيين؟! لماذا أمريكا أداة بيد إسرائيل؟! لماذا أمريكا أداة بيد الصهيونية؟! هذا معروف ليس فيه نقاش ولا جدال.
الصهيونية العالمية تريد تغيير وجه العالم والوضع الدولي بأسره وهنا ندرك طبيعة المشروع وخطورته، ومن خلال هذا يمكن الاستنتاج أن المنطقة مقبلة على حروب وعلى شن عمليات عدائية وعدوانية وعلى توسع في إسقاط أنظمة وفي فرض سيطرة وهيمنة..
والمشكلة الكبرى في كل هذا هي انعدام الفهم والإدراك لهذا المشروع ولخطورته، وأنه مشروع حقيقي على الأرض، ولا يتعلق بالمنطقة العربية والإسلامية بل بالعالم بأسره، ليس هناك التفات إلى هذا الجانب.
الأنظمة ترتكب حماقة كبيرة وخطأً فادحاً، عندما يكون موقفها هو موقف المتفرج، لأن هذا الموقف هو خطير عليها وخطير على شعوبها وعلى بلدانها؛ سياسة التفرج أو التماشي مع التوجه والتحرك الأمريكي له مخاطر كبيرة جداً، ولن تحقق هذه السياسة الأمن والاستقرار وتفادي المشكلات.
حادثة فينزويلا فاتحة لاستراتيجية أمريكية متقدمة
ما حدث في فنزويلا هو إعلان لبدء مرحلة جديدة وسياسة جديدة وقفزة في الوسائل والأساليب ورسالة أنه ليس هناك أي شيء يمكن أن تتورع عنه الإدارة الأمريكية سواء باختطاف زعيم أو بشنّ عدوان مباشر، أو باغتيال، أو بعمل أي شيء وبشكل مباشر، والمواقف الدولية تجاه ما حدث تجاه اختطاف الرئيس الفينزويلي مجرد استنكار، إدانات، أمريكا لا تبالي بها بل هي مطمئنة تماماً، والروسي ليس مستعداً أن يدخل في صدام مع الأمريكي من أجل شعوب أخرى أو من أجل بلدان أخرى، أو أنظمة أخرى حتى لو كانت اشتراكية أو موالية أو قريبة منه، ليس لديه هذا الاستعداد.
حادثة اختطاف الرئيس الفينزويلي.. وبعض الحقائق
أولاً: الحادثة تكشف خطورة الاختراق، ونجاح الأمريكي في ذلك إلى درجة أن يعرف تحركات الرئيس ومكانه وكل التفاصيل المتعلقة به: أكله، وشربه، مواعيد خروجه، مكانه تحركاته، كل التفاصيل وبدقة، كان الأمريكيون على اطلاع بكل التفاصيل المتعلقة بالرئيس الفنزويلي، وكان باستطاعتهم القبض عليه وأخذه في أي وقت. هذا يكشف ثغرة خطيرة تتمثل بانعدام الحصانة الداخلية.
ثانيا: التعاون مع الأمريكي من الداخل يأتي من مسؤولين من أشخاص مقربين يُشترون بالمال يُغرون بالمال بأشياء معينة للإدلاء بمعلومات، للوصول إلى شخصيات، للوصول إلى معلومات حساسة تتعلق بالبلد.
ثالثا: الأمريكي يوظف الحادثة كاستعراض إعلامي كبير للقول أنه مسيطر ومتحكم بالوضع، وأن باستطاعته عمل أي شيء، وهي رسالة وحرب نفسية، الغرض منها ضرب النفوس وخلق حالة من الرعب والخوف، لتقديم تنازلات، والرضوخ للمطالب الأمريكية وما إلى ذلك، وهذا واضح في تصريحات الرئيس الأمريكي في الإعلام وحتى في تغطية عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي، وكذلك في عرض الموكب يقل الرئيس الفنزويلي والاستعراض به في الشوارع الأمريكية، وبالطبع هناك مبالغة في إظهار مظاهر السطوة الأمريكية والغرض هو ممارسة حرب نفسية.
دروس مهمة من الأحداث في فيزويلا وإيران
أولاً: يتجلى أن العنصر المهم واللاعب الرئيسي في الأحداث ونتائجها هو الشعب الموقف الشعبي فإذا كان هناك التفاف من الشعب حول النظام والحكومة فليس هناك قلق، ولن تستطيع أمريكا أن تحقق أهدافها من أي عمليات تقوم بها، بل لن تجرؤ أمريكا أن تتخذ أي خطوة من البداية لأن أمريكا لا تتخذ أي خطوة إلا وقد درست وضع النظام ووضع الشعب، العلاقة بين النظام والشعب، بين النظام والمجتمع، الوضع الاقتصادي، الوضع المعيشي، أشياء كثيرة جداً، فالأمريكيون والإسرائيليون يحسبون لهذه القضايا ألف حساب.
وأكثر ما يشجع الأمريكي للإقدام على أي خطوة هو وجود فجوة بين النظام وبين الشعب، وهو يعمل على خلق الفجوة على المدى المتوسط والطويل من خلال الحصار، والحرب الإعلامية والتحريض ضد النُظُم، وضد شخصيات معينة، أو ضد أنظمة معينة وتصويرها بأنها دكتاتورية وما إلى ذلك، يعمل أيضاً على تفشي الفساد في مؤسسات الدولة وكذا الترويج لثقافة الانفتاح، والترويج لما يسمى بالقيم الامريكية وتقديمها أنها القيم الراقية والحضارية، وأشياء كثيرة تُستخدم في هذا الجانب.
ثانياً: تبرز أهمية سلامة ولاء الجيش وقادة الجيش ومدى ارتباطهم بالنظام وبالرئيس وهذه مسألة مهمة جداً، فالأمريكي يركز على اختراق الجيش وعلى شراء ولاءاته وولاء القادة لتسهيل مهمة الاختراق والعمليات التي يسعى لتنفيذها.
ثالثاً: تبرز أهمية طبيعة ومستوى العلاقة بين النظام والشعب بحيث ينبغي أن تكون علاقة قوية، أن يكون النظام قريباً من الشعب، من المواطنين، يهتم بهم، يبذل كل جهده في خدمتهم، في تخفيف المعاناة، في تقديم الخدمات، في تحقيق النمو الاقتصادي، في بناء البلد، عدم التلاعب بأموال البلد، بثروات البلد مكافحة الفساد قضية أساسية أن تكون علاقة الشعب بالنظام بالحكومة علاقة قوية ومتينة، وأن يكون هناك ثقة متبادلة.
رابعا: تبرز أهمية أن تسعى الأنظمة والحكومات الى تخفيف المعاناة المعيشية والاقتصادية وانخفاض الدخل لدى الأفراد وأن تعمل على مكافحة الفساد المالي والاختلالات والعمل على تنمية الموارد وإيجاد البدائل والعمل الجاد في إصلاحات حقيقية وملموسة وبالتالي إقفال الثغرات التي يستغلها ويوظفها العدو الخارجي لتنفيذ أجندته في البلد.
رابعاً: تبرز أهمية الوعي الشعبي والجماهيري تجاه المعاناة والوضع العام الذي يعيشه البلد خصوصاً عندما يكون هناك حصار وحرب من الأمريكي وتوجه من العدو الخارجي تجاه البلد بحيث يدرك الشعب أن العدو وسياساته تمثل السبب الرئيسي في الوضع المعيشي والاقتصادي القائم والأزمات القائمة وليس فقط قضية التقصير والإهمال والاختلالات التي قد تكون لدى النظام أو الحكومة.
خامساً: تبرز أهمية أن يكون أي حراك شعبي أو نخبوي يتجه الى تصحيح الوضع الداخلي، والى الضغط على الحكومات والأنظمة لإصلاح الوضع العام ومكافحة الفساد أن يكون بالشكل الذي يعالج ويصلح الواقع وليس بالشكل الذي يهدم ويخرب، وألا يكون هذا التحرك مخترقاً أو مسيراً أو موجهاً من جهات تعمل لحساب الخارج أو يكون بالشكل الذي يستفيد منه الأمريكي أو المتربصين بالبلد.
كما هو الحال في إيران الذي يظهر فيه صوت الموساد واضحاً وصوت إسرائيل ونتنياهو واضحاً جداً وصوت الأمريكي واضحاً، بمعنى أن الأمريكي والإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من الأحداث وهما يريدان ويسعيان الى أن تتجه الأحداث باتجاه التصعيد وباتجاه خلق أزمة حقيقية وفوضى تؤدي الى سقوط النظام وبالتالي الهيمنة والسيطرة على هذه الرقعة الجغرافية الاستراتيجية بموقعها وثرواتها كخطوة في إطار مشروع تغيير الشرق الأوسط في المنطقة العربية والإسلامية.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا