كيف نعيد بناء المجتمع الفلسطيني بدون فصائل وبناء أحزاب مدنية في ظل دولة ديمقراطية فلسطينية

بقلم: د. تيسير فتوح حجه  …..

 

الأمين العام
لحركة عداله.
على مدار عقود، شكّلت الفصائل الفلسطينية عنوانًا للنضال الوطني، لكنها مع مرور الزمن تحوّل كثيرٌ منها من أدوات تحرر إلى أطر مغلقة تعيد إنتاج الانقسام، وتُقدّم الولاء التنظيمي على المصلحة العامة. هذا الواقع يفرض سؤالًا جوهريًا: كيف نعيد بناء المجتمع الفلسطيني على أسس حديثة، بعيدًا عن منطق الفصائل، وباتجاه أحزاب مدنية داخل دولة فلسطينية ديمقراطية؟
أولًا، تحرير السياسة من القداسة التنظيمية. لا يمكن بناء مجتمع سليم طالما بقيت السياسة محكومة بمنطق “الفصيل فوق الوطن”. الدولة الديمقراطية تقوم على تداول السلطة، والمساءلة، وحق الاختلاف، لا على التاريخ الثوري أو الشعارات. المطلوب هو نقل العمل العام من شرعية السلاح أو الماضي إلى شرعية القانون وصندوق الاقتراع.
ثانيًا، بناء أحزاب مدنية برامجية. الأحزاب المدنية ليست نقيضًا للنضال، بل تطوره. هي أحزاب تقوم على برامج اقتصادية واجتماعية وتعليمية واضحة، تُخاطب هموم المواطن اليومية: العمل، العدالة الاجتماعية، التعليم، الصحة، والكرامة الإنسانية. حزبٌ يفشل في تحسين حياة الناس لا يملك مبررًا للبقاء، مهما كان تاريخه.
ثالثًا، إعادة الاعتبار للمجتمع المدني والنقابات. المجتمع القوي يُبنى من القاعدة: اتحادات عمالية مستقلة، نقابات مهنية حرة، مؤسسات مجتمع مدني غير خاضعة للفصائل. هذه الأطر هي الضامن الحقيقي لحقوق الناس، وهي مدرسة الديمقراطية الأولى التي تُنتج قيادات طبيعية نابعة من المجتمع لا مفروضة عليه.
رابعًا، دولة القانون والمواطنة المتساوية. لا معنى لأي إصلاح دون قضاء مستقل، وفصلٍ حقيقي للسلطات، ومساواة كاملة بين المواطنين دون تمييز سياسي أو تنظيمي. المواطنة هي الأساس: الحقوق تُكتسب بحكم القانون، والواجبات تُؤدّى بلا استثناء.
خامسًا، موقف حركة عداله. تنطلق حركة عداله من قناعة راسخة بأن خلاص الفلسطينيين لا يكون بتدوير الفشل، بل بقطيعة شجاعة مع منظومة الفصائل المغلقة، وبناء مشروع وطني مدني ديمقراطي. نحن نؤمن أن العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والدولة الديمقراطية، هي جوهر النضال الحقيقي اليوم. فالمقاومة لا تُختزل في شكل واحد، بل تتجسد في بناء الإنسان، وحماية حقوقه، وصون حريته.
ختامًا، إن إعادة بناء المجتمع الفلسطيني دون فصائل لا تعني إلغاء التاريخ، بل تصحيحه. وتعني الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن سياسة الشعارات إلى سياسة البرامج، ومن الولاءات الضيقة إلى وطن يتسع لجميع أبنائه. تلك هي الطريق نحو دولة فلسطينية ديمقراطية تستحقها الأجيال القادمة.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا