بين يدي المِنّة: فقه الإذن الإلهي للإيمان وجمال الهداية

بقلم: المستشار د. مسعود محمد شلندي  ….

 

في فضاء الوجود الرحب، يقف الإنسان وجهاً لوجه أمام سؤال النور الكامن في قلبه: من أين جاء هذا اليقين؟ وبأي طريق تسلل الإيمان إلى الفؤاد؟ إنه سؤال لا يليق إلا بعظمة المقام، لأن الإيمان ليس فكرةً عابرة، ولا خياراً ذهنياً مجرداً، بل هو – بنص القرآن الجازم – ثمرةُ إذنٍ إلهي:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
كلمة واحدة، لكنها ترسم خريطة الهداية كاملة، وتقرر أن أبواب القلوب لا تُفتح إلا بمفتاح من مالكها سبحانه.
فقهياً وعقدياً، يقرر هذا النص أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، يمنحها نور الإيمان أو يحجب عنها شعاعه لحكمةٍ يعلمها. وليس في ذلك مصادرةٌ للاختيار الإنساني، بل تقريرٌ لحقيقته: فحتى الاختيار الموفَّق، والسعي الصادق، هما من تمام الفضل الإلهي. الإيمان ليس حصيلة ذكاءٍ أو اجتهادٍ محض، بل لقاءٌ كريم بين طلبٍ مخلص من عبد، وعطاءٍ سابقٍ من رب. وهنا يتمايز القانون السببي البشري، الذي يقف عند حدود الظاهر، عن سنة التوفيق الإلهي التي تُجري النعمة فوق الأسباب وبها.
ومن زاوية فلسفية قانونية، فإن “الإذن” هو أعلى صور السيادة والتصرف. فكما لا يتحرك الإنسان في الكون إلا ضمن نظامه، لا يستقر الإيمان في القلب إلا بإذن خالقه. وليس الإذن هنا إجراءً شكلياً، بل تمكينٌ حقيقي، وتفعيلٌ للحق في موضعه. ومن ظنّ أن إيمانه من صنعه، فقد جهل سنن العطاء، كمن ينسب البصر إلى عينيه وينسى واهبه. إن قانون الهداية الإلهي هو الأصل الذي تُقاس عليه كل القوانين، وبه يُفهم معنى المِنّة الخالصة التي لا تُنازع.
وفي جمال البيان القرآني، يتجلى الارتباط الوثيق بين العقل والهداية:
﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
فالإذن بالإيمان مقرون بتنوير العقل وتطهير القلب، والمؤمن الحق هو من يرى إيمانه عطيةً لا استحقاقاً، فيورثه ذلك تواضعاً لا غروراً، وشكراً لا مباهاة، وخضوعاً لا استعلاء.
وعليه، فإن المنطق السليم يفرض أن يُنظر إلى الإيمان بوصفه أمانةً لا ملكية، ووديعةً لا وسام فخر. به يسمو الإنسان، وبه ينتقل من ضيق المادة إلى رحابة المعنى. وكل خشوع، وكل تدبر، وكل ومضة يقين، إنما هي تجديد لذلك الإذن الكريم، واستدامة لتلك المِنّة العظمى.
فالحمد لله على نعمة الإيمان، وعلى فضل اليقين. نعمةٌ توجب الشكر والعمل، لا العُجب والادعاء. فالهداية تاج، نعم، لكن صانعه وواهبه هو الله وحده. وذلك هو جوهر التوحيد، ولبّ العبودية، وأدب القلب العارف بفضل ربه.
… وسلام.

قد يعجبك ايضا