الثقة الشعبية المفقودة… وفصائل حاضرة غائبة… وإفلاس سياسي وجماهيري
بقلم د. تيسير فتوح حجه …..
الأمين العام لحركة عداله الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية
لم تعد أزمة شعبنا اليوم مقتصرة على الاحتلال وإجراءاته القمعية، بل باتت تتجلى أيضاً في فجوة عميقة بين المواطن ومجمل البنية السياسية الفلسطينية. فجوة اسمها فقدان الثقة؛ ثقة تآكلت على مهل، حتى أصبح الشارع ينظر إلى المشهد السياسي بعين الريبة، لا بعين الأمل.
أولاً: الثقة الشعبية المفقودة
الثقة لا تُفرض بالقوانين ولا بالشعارات، بل تُبنى بالعدالة والشفافية والإنجاز. حين يرى المواطن فساداً بلا محاسبة، ووعوداً بلا تنفيذ، ومناصب تتناقلها الأسماء ذاتها دون تغيير حقيقي، يصبح فقدان الثقة نتيجة طبيعية لا مؤامرة خارجية.
المواطن الفلسطيني اليوم يسأل سؤالاً بسيطاً:
من يمثلني فعلاً؟ ومن يشعر بوجعي اليومي؟
وحين لا يجد إجابة واضحة، ينسحب بصمت من المشهد، تاركاً فراغاً خطيراً بين الناس والقيادة.
ثانياً: فصائل حاضرة… غائبة
الفصائل الفلسطينية ما زالت حاضرة بالاسم، بالشعارات، بالبيانات، وبالصور على الجدران… لكنها غائبة عن هموم الناس الحقيقية.
غائبة عن:
أزمات الفقر والبطالة
انهيار الطبقة الوسطى
معاناة الموظفين والأسرى والجرحى
غياب العدالة الاجتماعية
تحوّل جزء كبير من العمل الفصائلي من مشروع تحرري وطني إلى إدارة نفوذ ومصالح وتنظيم مواقع، بينما الشارع يبحث عمّن يحمي لقمة عيشه وكرامته قبل أي خطاب سياسي كبير.
ثالثاً: الإفلاس السياسي
الإفلاس السياسي لا يعني غياب الخطابات، بل غياب الحلول.
نعيش حالة:
غياب رؤية وطنية جامعة
تعطّل الحياة الديمقراطية
تهميش الطاقات الشبابية
احتكار القرار بعيداً عن الرقابة الشعبية
السياسة تحوّلت عند البعض إلى وظيفة دائمة لا مشروع وطني متجدد، وهذا أخطر ما يواجه أي حركة تحرر.
رابعاً: الإفلاس الجماهيري
كما أن هناك إفلاساً سياسياً، هناك أيضاً حالة إنهاك جماهيري.
الجمهور متعب، مثقل بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يشعر أن صوته لا يغير، وأن مشاركته لا تُحدث فرقاً. وهنا تكمن الخطورة:
حين يفقد الشعب ثقته بالسياسة، تضعف الجبهة الداخلية، ويصبح المجتمع هشاً أمام كل التحديات.
الطريق إلى استعادة الثقة
من منظور حركة عداله، فإن استعادة الثقة الشعبية ليست ترفاً سياسياً بل شرط بقاء وطني، وتبدأ بـ:
محاسبة حقيقية للفساد دون خطوط حمراء
تجديد الشرعيات عبر انتخابات شاملة ونزيهة
فصل السلطات وضمان استقلال القضاء
إشراك الشباب والنساء والكفاءات خارج الإطار الفصائلي الضيق
توجيه الموازنة نحو الفئات المسحوقة لا مراكز النفوذ
إعادة تعريف العمل الوطني على أساس كرامة المواطن أولاً
الخلاصة
الشعب الفلسطيني لم يفقد وعيه، بل فقد ثقته بمن يفترض أنهم يمثلونه.
والفصائل لم تغب عن المشهد، لكنها غابت عن جوهر دورها.
والسياسة لم تمت، لكنها أُفرغت من مضمونها.
إن لم يُعاد بناء العلاقة بين المواطن والنظام السياسي على أساس العدالة والشفافية والكرامة، فإن الهوة ستتسع، وسندفع جميعاً ثمن هذا الانفصال الخطير.
الكرامة الوطنية تبدأ من كرامة المواطن…
والتحرر لا يكتمل دون عدالة اجتماعية حقيقية.
الكاتب من فلسطين