الصماد… بين نقدٍ يُنقذ المشروع، ونقدٍ يحوّله شهادة وفاة

الصماد… بين نقدٍ يُنقذ المشروع، ونقدٍ يحوّله شهادة وفاة. ….

 

تنويه للقارئ:
قد تبدو هذه المقالة أطول من المعتاد، غير أن هذه الإطالة لم تأتِ ترفاً لغوياً ولا استعراضاً خطابياً، بل لأنها كُتبت في سياق ردٍّ على ردود، وتعقيبٍ على تعقيبات، ولأن القضايا الأخلاقية الكبرى حين تُناقَش بسطحية تُظلَم، وحين تُفكَّك بعمق تُفهم. ولهذا جاء هذا النص طويلاً بقدر ما يقتضيه الإنصاف، لا أكثر.

بقلم/
أ. محمد البحر المحضار

تعقيب حازم بقدر ما هو مسؤول، وردّ توضيحي مفصّل على ردودٍ وتعقيبات كُتبت من خارج النص

لم أكتب عن الرئيس الشهيد صالح علي الصماد من باب الحنين، ولا بدافع التباكي السياسي، ولا لأصنع لنفسي موقعاً أخلاقياً فوق الآخرين.
كتبت لأن استدعاء الصماد بوصفه معياراً يفرض بالضرورة مواجهة الواقع لا الهروب منه، وتصحيح المسار لا تبرير الانحراف، والمحاسبة لا التواطؤ.
[وقد جاء في بعض الردود على المقال ما يفيد بأن هذا الاستدعاء يُعدّ مثالية غير واقعية، أو خطاباً أخلاقياً لا يغيّر من الوقائع شيئاً.]

ومن هنا، فإنني قرأت الردود المنسوبة لعدد من الإخوة، والتي جاءت تعقيباً على مقالي حول الرئيس الشهيد صالح علي الصماد، قراءة متأنية، لا من باب الخصومة، بل من باب المسؤولية؛ لأن القضايا الكبرى لا تُدار بردود انفعالية، ولا تُحسم بتبادل الاتهامات، بل بتفكيك المواقف، وتوضيح ما نتفق عليه، وما نختلف حوله، ولمصلحة من يكون هذا الاختلاف.

ولئن جاءت بعض هذه الردود عبر وسطاء، فإن ذلك لا يجعلها قابلة للتجاهل؛ لا لأنها كشفت جديداً، بل لأنها عبّرت بوضوح عن حالة غضب حقيقية، لكنها في الوقت نفسه تنزلق من النقد إلى التعميم، ومن التشخيص إلى اليأس، ومن تحميل المسؤولية إلى إعلان الفشل الشامل.
[ومن بين ما طُرح في تلك الردود، الإيحاء بأن المشروع برمّته قد انتهى باستشهاد الصماد، وأن ما تبقّى ليس سوى صورة شكلية.]

وهنا يصبح لزاماً عليّ أن أوضح، لا دفاعاً عن أحد، بل دفاعاً عن منهج النقد نفسه.

نقطة الانطلاق: مساحة الاتفاق قبل الخلاف
أبدأ من حقيقة جوهرية لا بد من تثبيتها بوضوح:
نحن متفقون أكثر مما نختلف.
ومتفقون تحديداً على أن:
هناك فساداً حقيقياً ومؤلماً في مفاصل الدولة.
أن كثيراً من الشرفاء تم تهميشهم أو إقصاؤهم أو محاربتهم.
أن الصماد كان مختلفاً عن كثير ممن جاؤوا بعده.
أن رفع الشعارات لا يعني بالضرورة صدق الممارسة.
أن السكوت عن الخطأ بحجة “المصلحة” أضرّ بالمشروع.
[وهو ما أشارت إليه الردود نفسها، وإن بصيغة أكثر حدّة وأقل تفريقاً.]

هذه ليست نقاط خلاف بيني وبين أصحاب الردود، بل هي جوهر مقالي أصلاً، ولم أكتب حرفاً واحداً لتجميل الواقع أو تبرير الانحراف.
لكن الخلاف يبدأ من هنا:
هل يكون توصيف هذا الواقع مدخلاً للإصلاح، أم ذريعة لليأس؟
هل يكون كشف الخلل وسيلة لإنقاذ المشروع، أم حكماً بإعدامه معنوياً؟
وهل يتحول الغضب المشروع إلى تعميم ظالم يساوي بين القيادة والمخطئ، وبين المسيرة ومن أساء إليها؟
هنا تحديداً تختلف مقاربتي عن مقاربة بعض الإخوة.

أولاً: الفرق بين نقد المشروع… ونقض المشروع
نعم، الواقع مأزوم، لكن لا تُصادَر الحقيقة بالغضب.
ما ورد في الردود من حديث عن:
فساد،
إقصاء شرفاء،
محسوبيات،
تسلّط،
وانحراف في بعض المفاصل،
ليس صادماً لي، ولا خارجاً عمّا قلته صراحة أو ضمناً.
بل إن مقالي بُني أساساً على فكرة أن الخطر الحقيقي هو تحويل السلطة إلى امتياز لا خدمة.
لكن الخلاف الجوهري ليس في توصيف الألم، بل في النتيجة التي يُراد دفع الناس إليها.
فحين يتحول النقد إلى قناعة بأن:
“الصماد استشهد وأخذ معه المشروع”
نكون قد انتقلنا من فضح الفساد… إلى تبرئة الفاسدين من المحاسبة؛ لأن إعلان موت المشروع هو أعظم هدية تُمنح لهم.
حين أقول إن الصماد معيار لا شعار، فأنا لا أُنزّه الواقع، بل أضعه تحت المجهر.
لكنني أرفض، في الوقت نفسه، منطق:
“الصماد استشهد وأخذ معه المشروع القرآني”.
هذه عبارة خطيرة، لا لأنها تعبّر عن ألم، بل لأنها تُسلّم المشروع للفاسدين بدلاً من انتزاعه منهم.
فالمشروع القرآني لم يكن ملك شخص، ولو كان عظيماً كالصماد، بل هو:
عقيدة،
ومسار،
ومنهج،
ودماء شهداء،
وتضحيات شعب.
وإذا أخطأ من حملوه بعده، فالواجب تصحيح المسار لا إعلان الوفاة.
الصماد لم يكن معصوماً، ولم يكن وحده المشروع، لكنه كان نقطة اتزان أخلاقي.
وغيابه كشف المستور، لكنه لم يُلغِ الحق.

ثانياً: نعم، هناك فاسدون… لكنهم ليسوا “الدولة”
أتفق مع ما ورد في الردود أن:
بعض من كانوا حول الصماد لا يشبهونه.
وأن بعض من تصدّروا بعده انكشف فسادهم.
وأن المحسوبيات والشِللية آفة حقيقية.
لكنني أختلف جذرياً مع تعميم الاتهام، وتحويل الفساد من انحراف داخل الدولة إلى جوهر الدولة.
لأن هذا التعميم:
يقتل ما تبقى من ثقة،
ويُحبط الشرفاء،
ويمنح الفاسد فرصة الاختباء خلف شعار: “الجميع فاسد”.
بينما الحقيقة أن: الفاسدين يعيشون على التعميم… لا على المحاسبة.

ثالثاً: بين فضح الانحراف… وشرعنة العجز
هناك فرق واضح بين من يقول:
“هناك فاسدون شوّهوا المسيرة”
وبين من يقول، صراحة أو ضمناً:
“المسيرة لم تعد موجودة”.
الأولى دعوة للمواجهة،
والثانية انسحاب أخلاقي يُبقي الساحة خالصة للمنحرفين.
الصماد لم يكن المشروع كله،
لكنه كان برهاناً على أن المشروع ممكن.
وإن أخطأ من بعده، فذلك لا يعني أن النموذج كان وهماً،
بل أن الاختبار فشل عند بعض الحاملين، لا عند الفكرة.

رابعاً: عن القيادة… والنقد المسؤول
من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الخطاب الناقد:
تحميل القيادة العليا كل خطأ إداري،
أو إسقاط هيبة المشروع بذريعة كشف الخلل.
نقد الأداء واجب،
لكن تحويل كل انحراف إلى “إرادة عليا” أو “قرار القيادة”
ليس شجاعة، بل اختصار مخلّ يريح الفاسدين ويُربك الصادقين.
نقد الأداء لا يعني الطعن في القيادة،
ومحاسبة المتنفذين لا تعني استهداف السيد القائد،
كما أن الدفاع عن المشروع لا يعني الصمت عن الخطأ.
وحين تحدثت عن الصمت كشراكة غير معلنة،
كنت أُخاطب رجال الدولة الصادقين، لا القيادة العليا،
وأقول لهم:
لا تتركوا الساحة للمنحرفين، لأنهم يسيئون لكم بقدر ما يسيئون للمشروع.

خامساً: الجنوب، شبوة، والإعلام… لا تجعلوا المظلومية أداة انقسام
أفهم حساسية ومرارة الحديث عن الجنوب،
وأفهم وجع شبوة،
وأفهم غضب الإعلاميين والمهمّشين.
لكن تحويل هذه القضايا إلى صراع هويات،
وتوظيف المظلومية بلغة اصطفاف مناطقي،
لا يخدم العدالة، بل يُغذّي الانقسام، ويخدم من يريد تفكيك الدولة لا إصلاحها.
مشكلتنا ليست شمالاً وجنوباً،
ولا شبوة وصنعاء،
بل منطق إدارة الدولة،
ومنطق الغنيمة في مواجهة منطق الدولة.
والفاسد: لا يمثّل منطقة،
ولا جنسية له،
ولا قضية،
ولا مشروعاً،
ولا مذهباً،
ولا شعاراً.

سادساً: كلفة الكلمة… وإلى أين نقود الناس؟
الحديث في الردود عن محاكمات وتضييق ومعاقبة من تجرؤوا على الكلام مؤلم، وصحيح في كثير من الحالات.
وأتعاطف بصدق مع كل من دُفع ثمن كلمته.
لكن السؤال الأخطر الذي لا يجوز الهروب منه: هل نقول للناس:
“اصمتوا لأن الكلام لا جدوى منه”؟
أم نقول:
“ارفعوا صوتكم، لكن بوعي، وبمسؤولية، وبما يُحرج الفاسد دون أن يحرق المشروع”؟
الصماد لم يكن صاخباً، ولم يكن ساذجاً،
بل كان واضحاً،
حازماً بلا تهور،
وصريحاً بلا فوضى.
وهذا هو الفارق بين الصرخة والموقف.

رسالة مبطّنة لا تحتاج اسماً
أقولها بوضوح، دون تسمية ودون مواربة:
من يسيء استخدام السلطة،
ومن يتخفّى خلف الشعارات،
ومن يظن أن الغضب الشعبي سيُسقط المشروع لا الفاسد،
فهو واهم.
فالشعوب قد تصبر،
لكنها لا تنسى،
والتاريخ لا يُحاكم النوايا، بل النتائج.

الخلاصة
نعم، هناك فساد، ويجب فضحه.
نعم، هناك متنفذون أساؤوا للمسيرة.
نعم، هناك مظالم حقيقية.
ونعم، الصمت جريمة.
لكن:
لا نُعمّم الفساد حتى نقتل الأمل.
ولا نُسقط المشروع لنُدين أشخاصاً.
ولا نختصر المسيرة في وجوه شوّهتها.
لسنا في معسكرين:
مع أو ضد،
مؤمن أو خائن،
بل في اختبار واحد: هل نريد إصلاح الدولة… أم إعلان فشلها؟

أنا اخترت الطريق الأصعب: أن أنتقد دون أن أُدمّر،
وأن أُسمّي الخلل دون أن أُسقِط المعنى،
وأن أستدعي الصماد لا كذكرى، بل كمرآة.
ومن أراد أن يحوّل النقد إلى شهادة وفاة،
فليتحمّل مسؤولية ما يفتحه من أبواب.
الصماد لم يكن وهماً،
ولم يكن حالة استثنائية غير قابلة للتكرار،
بل كان دليلاً على أن الدولة الأخلاقية ممكنة…
إن امتلكنا الشجاعة، لا اليأس.

وفي الختام: ليعلم الجميع أن
الحق لا يموت،
والمشروع لا يُختطف…
إلا إذا تخلّى عنه أهله.

مدير عام مكتب التخطيط – م/ شبوة

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا