“هشش.. لا تتكلمي”: كواليس التغييب القسري في بيئة العمل

بقلم : د. منى النحلاوي …..

 

“هشش.. لا تتكلمي”؛ ليست مجرد كلمة عابرة، بل هي دستور غير مكتوب يفرض سطوته داخل الكثير من المؤسسات والمكاتب. هي الصرخة المخنوقة التي تُجبر الضحية على مواراة كرامتها يومياً مقابل الحفاظ على لقمة العيش أو السمعة. في عالم العمل، يتحول التحرش إلى شبح يتسلل في الممرات، بينما تظل الضحية محاصرة بين فكي “الاحتياج” و”الخوف”، في ظل ثقافة مؤسسية ترفع شعار “التستر” فوق شعار العدالة.

ثقافة التكميم: لماذا تختار الضحية الاختباء؟

عندما تسمع الضحية تلك الـ “هشش” الضمنية من زميل، أو مدير، أو حتى من صدى صوت المجتمع في رأسها، فإنها تدرك أن ثمن البوح باهظ. إنها تخشى وصمة العار التي تلاحق “المُبلغ” لا “الجاني”، وتخشى فقدان مصدر رزقها في بيئات عمل لا توفر حماية حقيقية ضد انتقام ذوي النفوذ. هذا “التغييب الإجباري” يحول بيئة العمل من مساحة للإبداع إلى زنزانة نفسية، حيث يصبح البقاء للأكثر قدرة على تحمل الانتهاك، لا للأكثر كفاءة.

فخ “يا شيخة كنت بمزح معك” والمنطقة الرمادية

خلف تلك الـ “هشش” تختبئ المنطقة الرمادية؛ حيث يتم تغليف التحرش بعباءة الاستهتار. وعندما تحاول الضحية وضع حد أو إظهار استيائها، تأتي الإجابة الجاهزة التي تقتل أي محاولة للمواجهة: “يا شيخة كنت بمزح معك!”. هذه الجملة ليست مزاحاً، بل هي سلاح لتسخيف الجريمة، وزعزعة ثقة الضحية في فطرتها السليمة، مما يعزز سطوة العقليات التي ترفض الاعتراف بوجود حدود فاصلة بين الاحترام والانتهاك.

التشريع في مواجهة “محاكم المجتمع”

على الرغم من القوانين الصارمة، إلا أن نص القانون يظل قاصراً ما لم تدعمه “بيئة آمنة للمكاشفة”. فالمشكلة ليست في غياب المادة القانونية بقدر ما هي في ثقافة “لوم الضحية” التي يغذيها المجتمع بعبارات جاهزة وجارحة: “الحق عليها.. هي اللي سمحت له”، أو “يمكن هي التي بدأت بغمزة أو كلمة”، وصولاً إلى العبارة الأكثر قسوة وتشكيكاً: “ياختي ما تعرفي شو صار خلف الكواليس!”. هذه التبريرات تمنح المعتدي صك براءة مجاني وتجعل الضحية مدانة حتى تثبت براءتها، مما يدفع الكثيرات لاختيار الصمت حمايةً لما تبقى من سمعتهن.

العدوى الأخلاقية وانهيار الإنتاج

عندما يسود التحرش ويُفرض التستر، تموت روح العمل الجماعي وتنتعش عقلية “النجاة الفردية”. الموظف الذي يشعر بالانتهاك ينعزل نفسياً، وتصبح علاقته بالمكان علاقة “هروب” لا “انتماء”. إن المؤسسات الناجحة هي التي تدرك أن رضوخ عضو واحد للظلم هو بداية لانهيار المنظومة الأخلاقية والمهنية للمؤسسة كاملة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الإنتاج والاستدامة.

الخلاصة
لقد آن الأوان لتبديل “هشش.. لا تتكلمي” بعبارة تليق بمجتمعاتنا اليوم: “تكلمي.. نحن نسمعكِ ونحميكِ”. إن كرامة الإنسان في عمله ليست رفاهية، والنجاح الاقتصادي لا يمكن أن يُبنى على أنقاض أرواح محطمة. إن كسر هذا الطوق هو الخطوة الأولى لتحويل بيئات العمل من ساحات للمقايضة والابتزاز إلى منارات للعدالة والإنتاج والكرامة الإنسانية للجميع.

بقلم : د. منى النحلاوي

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا