عمار بن ياسر يلقي التحية على أدهم العكر ويطمئنه
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي …..
أبشر يا أبا بكر فإنك لصادقٌ أمينٌ، وطنيٌ مخلصٌ ثابتٌ لا تلين، قويٌ متينٌ راسخٌ مكينٌ، لا تغير ولا تبدل ولو قطعوا منك الوتين، ومزقوا جسدك بالسكين، وإنك لعلى الحق المبين والصراط السوي المستقيم، لا تزل قدمك ولا تتعثر خطاك، ولا يتلعثم لسانك ولا تلن قناتك، فلا يعيبك أسرك، ولا يحزنك ما أصابك، ولا يفت في عضدك ما أجبرك عليه عدوك، ولا يحط من قدرك ما نشر من صورك، وكن واثقاً أن يد المقاومة القوية ستثأر لك، وستنتقم ممن تآمر عليك وأسرك، وتعاون مع العدو واعتقلك، وذلت رقبته له وسلمك، واعلم أنك عند شعبك لعالٍ كبير، ولقويٌ عزيزٌ، فلا يفرط فيك ولا يقصر في الدفاع عنك، وعما قريب سيفرض حريتك وستعود إلى بيتك وحيث أهلك، عهداً سنفي به قطعاً، ووعداً بإذن الله عز وجل سننجزه صدقاً.
أبشر أيها القائد الهمام والبطل العظيم أدهم العكر، فإن الذي أيَّدَ عمار بن ياسر وطمأنه من فوق سبع سمواتٍ في كتابه الكريم، وبرأه بآياتٍ تتلى إلى يوم الدين مما تلفظ به لسانه، وصدق ما وقر في قلبه، وشهد له بالإيمان وصفاء العقيدة، وحفظ بين قومه قدره ومقامه، وأعلى في الدنيا منزلته ورفع في الآخرة درجته، وجعله أهلاً لأن يكون أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد كان في حالٍ يشبه حالك، إذ تكالب عليه الكفار واجتمعوا، وأرادوا به كيداً ومكروا، لكن الله عز وجل رد كيدهم في نحرهم ونصره عليهم.
إن عمار يا أدهم ليشهد لك بالصدق والوطنية، والإخلاص وصفاء النية، ويعدك أن تكون على رأس طليعة المجاهدين، وفي مقدمة الفاتحين، وحامل راية المنتصرين، وسيمكنك يوماً بأن تدوس بكعب نعلك من تباهى بأسرك وتغطرس باستنطاقك، وتسحقه بأخمص حذائك، وتحز رأسه كما حز عبد الله بن مسعود رأس أمية بن خلف، وتجعله مثالاً للعملاء الساقطين، وعبرةً للجواسيس الخائنين، ودرساً بليغاً لكل من تآمر على شعبه وغدر به وخانه، فإنك والله ما هنت ولا ذللت، بل سموت وحلقت، وكما لم يفتوا في عضدك ولم يوهوا عزيمتك، فإنهم والله ما نالوا منا بهذه الصور، ولا أضعفوا روحنا المعنوية ولا أثروا فينا سلباً، لكنهم شحذوا همتنا وقووا عزيمتنا للثأر والانتقام.
ليس منا من لم يحزن على هذا الجبل الأشم الذي ركع على الأرض، وجثا على ركبتيه أمام هذا الأثيم الزنيم، العتلُ الجبان المريد، الذي أجبره على أن يردد أمام الكاميرا ما يريد، وأن يسمعه ما يحلم به ويتمنى، وما علم وهو المارق من الدين والمرتد عن الإسلام، أن الله سبحانه تعالى يكلأ أسيره ويحفظه، ويبرؤه مما يقول ويطهره، وأنه يسمو به ويرفعه، ويدافع عنه وينصره، وأنَّى له أن يواجه الله عز وجل ويتحدى إرادته، ويقف في وجهه ويعانده، ولعله بات بعد ما رأى وسمع، وقرأ واطلع، أنه وقع في شر أعماله، وسقط في شراك أفعاله، وأنه طال الزمن أو قصر فإن سيف العدل سيطاله، وعقاب أهل الأرض قبل رب السماء سيناله.
ولئن كان عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أبا بكر أدهم العكر تأسره الفئة الضالة الظالمة، الملعونة المغضوب عليها، ولا شك لدينا أبداً أنهم كذلك وأسوأ، لكن ثقتنا في الله عز وجل كبيرة، أن هذه الصفحة ستطوى بعزٍ، وأن هذه المشاهد ستتكرر بكرامة، وأننا سنسمع بعد أيامٍ قليلةٍ مواقف بطلنا أدهم الحقيقية، التي سيصدح بها من زنازين العدو، ومن أروقة محاكمه العسكرية، وستتسرب إلينا وإلى العالم كله كلماته المدوية، ومواقفه الصلبة، التي تؤكد أنه ثابت وغير نادمٍ، ومصرٌ غير متراجعٍ، وسيطلق من سجنه تهديداته إلى الصغار الذين اعتقلوه، والعبيد الذين سلموه، وحينها سيعض الظالمون على أيديهم، وسيبكون وسيندمون، ولكن ولات حين مندم.
سلام الله عليك أبا بكر، سلام الله عليك أيها الأسد الرابض والهزبر الثائر، سلام الله عليك منا ومن ياسر، وسلامه لكم من أهلك وأسرتك ومن رفح الأبية وغزة القوية، واعلم أننا لن نخاف عليك بعد اليوم، ولن نقلق على مصيرك، وسنذكر أبداً أنك بقيت مرابطاً في أنفاق رفح حتى أيامك الأخيرة، وأنك رفضت الخروج منها رغم الظروف الصعبة التي كنت تعيشها وإخوانك في ظل حصارٍ عسكري إسرائيلي دام لأشهر طويلة وما زال، وسنذكر أنك ضحيت بنفسك من أجل إخوانك، وبقيت معهم ترصد وتستكشف حتى أمنت طريق الخروج بأمانٍ لأكثرهم، وآثرت أن تبقى ليخرج آخرهم آمناً مطمئناً، فطب بنفساً أيها البطل، وقر عيناً أيها القائد العظيم، ولتهنأ أيها الفارس المغوار الذي ما ترجل عن جواده، ولا ألقى سلاحه، ولا فر من ساحة جهاده.
بيروت في 4/2/2026
[email protected]