فضيحة ” إبستين “حين يسقط القناع الأخلاقي وتُدار الحروب من خلف الستار
محي الدين غنيم ….
لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي عابر، بل زلزالًا أخلاقيًا وسياسيًا هزّ صورة “ النخبة الحاكمة ” في الغرب، وكشف عن مستنقع مظلم تختلط فيه السلطة بالمال والنفوذ بالابتزاز والشعارات البراقة بممارسات لا تمتّ للإنسانية بصلة.
وحين تخرج آلاف الوثائق إلى العلن، وتُذكر أسماء نافذة ويُفتح الباب على مصراعيه أمام شبكة علاقات مشبوهة عابرة للحدود، فإن السؤال الطبيعي ليس : ماذا حدث؟ بل: لماذا الآن؟ ولمن التوقيت؟
ازدواجية الأخلاق… منابر حقوق الإنسان أم غرف مغلقة؟
الأكثر استفزازًا في هذه القضية ليس حجم الجرائم بحدّ ذاته، بل هوية المتورطين المحتملين: شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية لطالما نصّبت نفسها أوصياء على العالم، تُحاضر في حقوق الإنسان، وتفرض “ قيمًا تحررية ” على مجتمعاتنا العربية، وتضغط لتغيير قوانيننا وثقافتنا بدعوى الحداثة، بينما تُمارَس خلف الأبواب المغلقة أفعال تصدم الفطرة قبل الدين.
هنا تسقط الأقنعة، وتنكشف ازدواجية المعايير بأقسى صورها : كيف لمن يتورط أو يُشتبه بتورطه في جرائم أخلاقية جسيمة أن يوزّع صكوك الفضيلة على شعوبٍ أخرى؟
وفي السياسة الأمريكية، لا شيء يُنشر بلا حساب. إعادة فتح ملفات إبستين، وتسليط الضوء الإعلامي الكثيف عليها، يطرح تساؤلًا مشروعًا : هل يُراد من هذه الفضيحة تطويق الرئيس دونالد ترامب أو تقييد هامش قراره أو دفعه نحو خيارات خارجية كبرى؟
التاريخ الأمريكي يخبرنا أن الهروب إلى الأمام عبر افتعال أو توسيع صراع خارجي، كان دائمًا وسيلة لإعادة خلط الأوراق داخليًا.
ومن هنا يظهر السؤال الأخطر : هل يمكن أن تتحول إيران إلى “مسرح تصعيد” يُستخدم لصرف الأنظار عن فضيحة أخلاقية سياسية تهدد صورة الدولة العميقة؟
ولا يمكن في الشرق الأوسط فصل أي تصعيد كبير عن المصالح الإسرائيلية. الحديث هنا ليس اتهامًا مباشرًا، بل قراءة في منطق المصالح.
إسرائيل ترى في إيران التهديد الوجودي الأول، وأي إدارة أمريكية مترددة عن المواجهة تُعدّ عائقًا أمام هذا الهدف.
وعليه، فإن تضخيم فضائح، أو تسريب وثائق أو تحريك ملفات قديمة إن ثبت قد يكون جزءًا من لعبة الضغط غير المباشر لدفع واشنطن نحو خيار عسكري طال انتظاره في تل أبيب.
وحين تتحول فضيحة واحدة إلى حديث العالم وتتصدر العناوين وتُشبع تحليلًا وجدالًا، فإن ذلك قد يخدم غاية أخرى: تشتيت الانتباه.
والتاريخ مليء بأمثلة استخدمت فيها الفضائح الكبرى كستار دخاني سبق : حروبًا مدمرة وانقلابات سياسية أو قرارات استراتيجية مصيرية .
فهل نحن أمام ضجيج مقصود لإخفاء ما يُحضَّر في الكواليس؟
أم أن الحقيقة هذه المرة انفجرت دون قدرة أحد على احتوائها؟
إن فضيحة إبستين ليست قضية أخلاقية فحسب، بل مرآة قاسية لنظام عالمي مأزوم، يتحدث بلغة القيم ويمارس بلغة المصالح، ويُدين شعوبًا بأكملها بينما يعجز عن محاسبة نخبته.
أما ربطها بالحرب على إيران، أو بصراعات إقليمية كبرى، فهو احتمال مشروع في عالم لا تتحرك فيه الأحداث صدفة، لكنه يبقى في إطار التحليل السياسي لا اليقين.
والشئ المؤكد الوحيد هو هذا .. حين تتعفن القمة، فإن الحروب غالبًا ما تكون أداة إنقاذ للنظام لا للشعوب.
واخيرا وليس آخرا … متى ستتحرر شعوب العالم من خريجي ورواد جزيرة إبستين القدرة ؟
الكاتب من الأردن